الكلمة .. ابداع والتزام
إدارة منتدى (الكلمة..إبداع وإلتزام) ترحّب دوماً بأعضائها الأعزاء وكذلك بضيوفها الكرام وتدعوهم لقضاء أوقات مفيدة وممتعة في منتداهم الإبداعي هذا مع أخوة وأخوات لهم مبدعين من كافة بلداننا العربية الحبيبة وكوردستان العراق العزيزة ، فحللتم أهلاً ووطئتم سهلاً. ومكانكم بالقلب.
الكلمة .. ابداع والتزام

منتدى للابداع .. ثقافي .. يعنى بشؤون الأدب والشعر والرسم والمسرح والنقد وكل ابداع حر ملتزم ، بلا انغلاق او اسفاف

منتدى الكلمة .. إبداع وإلتزام يرحب بالأعضاء الجدد والزوار الكرام . إدارة المنتدى ترحب كثيراً بكل أعضائها المبدعين والمبدعات ومن كافة بلادنا العربية الحبيبة ومن كوردستان العراق الغالية وتؤكد الإدارة بأن هذا المنتدى هو ملك لأعضائها الكرام وحتى لزوارها الأعزاء وغايتنا هي منح كامل الحرية في النشر والاطلاع وكل ما يزيدنا علماً وثقافة وبنفس الوقت تؤكد الإدارة انه لا يمكن لأحد ان يتدخل في حرية الأعضاء الكرام في نشر إبداعاتهم ما دام القانون محترم ، فيا هلا ومرحبا بكل أعضاءنا الرائعين ومن كل مكان كانوا في بلداننا الحبيبة جمعاء
اخواني واخواتي الاعزاء .. اهلا وسهلا بكم في منتداكم الابداعي (الكلمة .. إبداع وإلتزام) .. نرجوا منكم الانتباه الى أمر هام بخصوص أختيار (كلمة المرور) الخاصة بكم ، وهو وجوب أختيار (كلمة المرور) الخاصة بكم كتابتها باللغة الانكليزية وليس اللغة العربية أي بمعنى ادق استخدم (الاحرف اللاتينية) وليس (الاحرف العربية) لان هذا المنتدى لا يقبل الاحرف العربية في (كلمة المرور) وهذا يفسّر عدم دخول العديد لأعضاء الجدد بالرغم من استكمال كافة متطلبات التسجيل لذا اقتضى التنويه مع التحية للجميع ووقتا ممتعا في منتداكم الابداعي (الكلمة .. إبداع وإلتزام) .
إلى جميع زوارنا الكرام .. أن التسجيل مفتوح في منتدانا ويمكن التسجيل بسهولة عن طريق الضغط على العبارة (التسجيل) أو (Sign Up ) وملء المعلومات المطلوبة وبعد ذلك تنشيط حسابكم عن طريق الرسالة المرسلة من المنتدى لبريدكم الالكتروني مع تحياتنا لكم
تنبيه هام لجميع الاعضاء والزوار الكرام : تردنا بعض الأسئلة عن عناوين وارقام هواتف لزملاء محامين ومحاميات ، وحيث اننا جهة ليست مخولة بهذا الامر وان الجهة التي من المفروض مراجعتها بهذا الخصوص هي نقابة المحامين العراقيين او موقعها الالكتروني الموجود على الانترنت ، لذا نأسف عن اجابة أي طلب من أي عضو كريم او زائر كريم راجين تفهم ذلك مع وافر الشكر والتقدير (إدارة المنتدى)
بحـث
 
 

نتائج البحث
 


Rechercher بحث متقدم

المواضيع الأخيرة
» البرنامج التدريبي القانوني ( مايو- ديسمبر) 2017
السبت 13 مايو 2017, 8:01 am من طرف صبرة جروب

» دورة تدريبية عن " التأهيل لإعتماد المترجمين " 7-11 مايو2017، مقر المجموعة الدولية للتدريب بالهرم
السبت 13 مايو 2017, 7:52 am من طرف صبرة جروب

» برنامج التدريب القانوني في إسطنبول ( يوليو - اكتوبر ) 2017
السبت 13 مايو 2017, 7:28 am من طرف صبرة جروب

» البرنامج التدريبي مايو 2017 ( دبي، القاهرة، أبوظبي )
السبت 13 مايو 2017, 7:08 am من طرف صبرة جروب

» دورة تدريبية عن " تنمية مهارات المحامين في الدعاوي الإدارية والمدنية " 23 - 27 أبريل 2017، القاهرة
السبت 13 مايو 2017, 6:59 am من طرف صبرة جروب

» البرنامج التدريبي مارس- مايو 2017، القاهرة
السبت 13 مايو 2017, 6:50 am من طرف صبرة جروب

» البرنامج التدريبي ابريل - مايو 2017 مختصر
السبت 13 مايو 2017, 6:41 am من طرف صبرة جروب

» دورة إدارة المشاريع الإحترافية 23-27 ابريل 2017، دبي
السبت 13 مايو 2017, 6:33 am من طرف صبرة جروب

» البرنامج التدريبي تحليل الأعمال الإحترافية 30 ابريل - 04 مايو 2017، دبي
السبت 13 مايو 2017, 6:11 am من طرف صبرة جروب

التبادل الاعلاني
احداث منتدى مجاني
pubarab
يونيو 2017
الإثنينالثلاثاءالأربعاءالخميسالجمعةالسبتالأحد
   1234
567891011
12131415161718
19202122232425
2627282930  

اليومية اليومية

أفضل 10 أعضاء في هذا الشهر

أفضل 10 أعضاء في هذا الأسبوع

المواضيع الأكثر نشاطاً
تفسير الأحلام : رؤية الثعبان ، الأفعى ، الحيَّة ، في الحلم
مضيفكم (مضيف منتدى"الكلمة..إبداع وإلتزام") يعود إليكم ، ضيف شهر نوفمبر/ تشرين الثاني ، مبدعنا ومشرفنا المتألق العزيز الاستاذ خالد العراقي من محافظة الأنبار البطلة التي قاومت الأحتلال والأرهاب معاً
حدث في مثل هذا اليوم من التأريخ
الصحفي منتظر الزيدي وحادثة رمي الحذاء على بوش وتفاصيل محاكمته
سجل دخولك لمنتدى الكلمة ابداع والتزام بالصلاة على محمد وعلى ال محمد
أختر عضو في المنتدى ووجه سؤالك ، ومن لا يجيب على السؤال خلال مدة عشرة أيام طبعا سينال لقب (اسوأ عضو للمنتدى بجدارة في تلك الفترة) ، لنبدأ على بركة الله تعالى (لتكن الاسئلة خفيفة وموجزة وتختلف عن أسئلة مضيف المنتدى)
لمناسبة مرور عام على تأسيس منتدانا (منتدى "الكلمة..إبداع وإلتزام") كل عام وانتم بألف خير
برنامج (للذين أحسنوا الحسنى) للشيخ الدكتور أحمد الكبيسي ( لِّلَّذِينَ أَحْسَنُواْ الْحُسْنَى وَزِيَادَةٌ وَلاَ يَرْهَقُ وُجُوهَهُمْ قَتَرٌ وَلاَ ذِلَّةٌ أُوْلَـئِكَ أَصْحَابُ الْجَنَّةِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ (26) يونس) بثت الحلقات في شهر رمضان 1428هـ
صور حصرية للمنتدى لأنتخابات نقابة المحامين العراقيين التي جرت يوم 8/4/2010
صور نادرة وحصرية للمنتدى : صور أنتخابات نقابة المحامين العراقيين التي جرت يوم 16/11/2006

احصائيات
هذا المنتدى يتوفر على 2015 عُضو.
آخر عُضو مُسجل هو فاطمه ماليزيا فمرحباً به.

أعضاؤنا قدموا 54743 مساهمة في هذا المنتدى في 36558 موضوع

أهلا وسهلا بك زائرنا الكريم, أنت لم تقم بتسجيل الدخول بعد! يشرفنا أن تقوم بالدخول أو التسجيل إذا رغبت بالمشاركة في المنتدى

(الخندق الغميق لسهيل أدريس) دراسة ونقـد للشاعرة العراقية الراحلة نازك الملائكة - طباعة وليد محمد الشبيبي

استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي اذهب الى الأسفل  رسالة [صفحة 1 من اصل 1]

وليد محمد الشبيبي

avatar
مؤسس المنتدى ومديره المسؤول
(الخندق الغميق لسهيل أدريس)(1)
دراسة ونقـد(2)
للشاعرة العراقية الراحلة
نازك الملائكة



طباعة وليد محمد الشبيـبي



لعل أعمق ما تعيش به رواية (الخندق الغميق) في نفس قارئها هو الجو السحري المعطّر الذي يحف بها من أولها إلى أخرها. 
فهذه رواية ذات نكهة خاصة بها تغلّفها وتترك أثرها المضمّخ في حس القارئ ، فيعيش هناك حتى اذا نسيت الأحداث تفصيلاً ، واللمسة الروحية التي تتغلغل في الرواية كلها تبقينا على صلة بالسحر الذي يشيعه صوت مؤذن منفرد يرفع صوته بـ(سبحان خالق الاصباح..) في غبش فجر شرقي ، في حي من احياء بيروت ذات الطابع العربي الصرف. ونحن لا ننسى قط غلاماً يافعاً متحمّساً يحب الصوت الجميل وينفعل للجو الديني فيفيق على هتاف المؤذن وتسري رعشة في جسمه الصغير اذ يصغي، ولا نغفل عن هذا الغلام وقد كبر وتفتحت عواطفه فبات يخرج إلى الشرفة ويؤذن بأعلى صوته العذب، لا ليؤدي واجب الآذان ، وانما لكي ينبّه الحبيبة الغافلة في بيت الجيران. وبعين الخيال نرى هذا المراهق يصعد إلى مسجد المدرسة ويصلّي ركعتين ويبتهل إلى الله بحرارة ان يحفظ له حبيبته ويعيدها إليه. ان سحر العاطفة الدينية الحقة التي تنبع من أعماق الشعور الإنساني الفطري تواكب أحداث هذه الرواية ، ذلك على الرغم من ان بطلها كان متمرّداً ثائراً على ما يلوح انه الجو الديني ، وهو في الواقع ، جو بعض ذوي التزمت والجمود من الشيوخ. 
ولقد ساهم أسلوب سهيل أدريس ، بما يتصف به من اشراق وتنغيم وتعبيرية عالية غير عادية ، في تكثيف هذا الجو الروحي المرهف ، فكانت الكلمات تضيف إلى الشعرية التي تغلب على الرواية ، حتى نستطيع ان نقول ان للأثر الروحي الذي تركته مشاهد قرية (المريجات) ، ونبرات صوت المؤذن في سكون الليل ، لا تزيد على الأثر الذي تتركه لغة الرواية . والواقع ان سهيل أدريس يملك في انتاجه كله ، قدرة خاصة متميزة على أختيار الكلمات المعبّرة التي تشخّص المعاني تشخيصاً نادر المثيل. تلك صفة أسلوبه ، وهي تبرز في (الخندق الغميق) وتبلغ أوجها. 
أننا نلح ، في هذه التوطئة ، على الجانب الجمالي ، من الرواية لانه يبدو لنا خاصة بارزة لها. وقد يكون ذلك مرتبطاً بأصالة الموضوع الذي عالجه المؤلف ، وهو موضوع غني بالعاطفة الشرقية الجزلة والحرارة التي تمتاز بها حياتنا العربية الخالصة. ان هؤلاء الناس الذين يتناولهم سهيل أناس شرقيون فيهم بساطتنا وعاطفيتنا وأخطاؤنا وضعفنا. وما أكثر الذين يتحكّم فيهم آباؤهم كما تحكّم هذا الأب المتسلّط في حياة سامي. لذلك تقرأ ، بعطف وتفهّم ، سيرة هذا الغلام الموهوب ، الممتلئ بالحياة ، المتعطّش للمعرفة والحركة ، الذي يذهب ضحية لبساطة أبيه وتعسّفه ، فيخطئ فهم نفسه ويسيء تحديد هدفه وينخرط في جو مشيخة متزمتة متصنّعة لا تنسجم مع روحيته ولا مع حركات ذهنه. ورواية (الخندق الغميق) تقص علينا قصة كفاح الغلام من أجل ان يعود إلى الطريق الذي أضاعه ويتلمّس السبيل ، ثانيةً ، إلى النور والحياة.


موضوع الرواية


هناك مشكلتان نحب أن نقف عندهما ونحن نتحدث عن موضوع (الخندق الغميق) (أولاهما) هي أتجاه الصراع الذي تقوم عليه حبكة الأحداث ، فبين من ومن قام ذلك الصراع ؟ وماذا كان الغرض منه ؟ 
لقد كتب أكثر من ناقد واحد ممن تناول الرواية بالدراسة انها تروي قصة الصراع بين جيلين. ومعنى ذلك ان الصراع انما قام بين سامي وأبيه. غير اننا اذا أمعنّا النظر في الأحداث التي وضعها المؤلف بين أيدينا فسنجد انها لا تؤيد هذا الرأي. فهل حال الأب حقاً دون ان يترك سامي المشيخة حين أراد هو ذلك ؟ أم هل أستطاع هذا الأب المغلوب على أمره أن يمتع أبنته من خلع الحجاب ومواصلة دراستها ؟ في الحق ، لا . وانما كان المشكل الحقيقي ان يريد سامي نفسه أو لا يريد. ونحن قد عرفنا سامي ، عبر فصول الرواية ، إنساناً عنيداً يحكم ارادته في كل موقف ، وذلك يجعل كل عائق خارج عن نفسه تافهاً ثانوي الأهمية. ولقد كان أبوه عاجزاً عن ردعه عن أي شيء ، وأنتصر سامي في كل صراع خاضه. فعلام يدل ذلك ؟ وأين ذلك الصراع بين الجيلين ؟
لا بد لنا ، لكي نجيب عن هذا السؤال ، أن نلاحظ ان سامي الذي يفترض انه يمثل الجيل الجديد الطالع انما ينطوي هو نفسه على كثير من روحية الجيل الذي يقاومه. أننا نراه ، في الرواية ، يرتعش أنفعالاً لفكرة المعهد الديني ، ونسمعه يحدّثنا حديثاً شعرياً عن سماعه لآذان الفجر بخشوع عميق يبلغ درجة النشوة ، ونراه يتعطّش أشد التعطّش إلى ان يلبس الجبة ويضع العمامة (تاج العرب) على رأسه. وكل ذلك يدل على أن عواطف الجيل السابق وتقاليده كانت متأصلة في نفسه، أو انها – كما سنرى – تنبع من منبع شخصي في نفسه هو. وانما يقوم الصراع في أعماق ذهن سامي نفسه ، فيواجه الأسئلة الأخلاقية التي تحيّره وتبلبل تفكيره مما سنقف عنده حين سنحلل شخصيته. ولسوف نرى ان سامي انما كان ثائراً على نفسه أكثر مما كان ثائراً على أبيه ، وكان التغلّب على ممانعة أبيه أيسر بكثير من التغلّب على المقاومة الداخلية التي كان يحسّها في روحه. 
لقد كان سامي يحتاج إلى أن ينمو ليغلب كل ما كان يمثل الجيل السابق في تكوينه النفسي والعاطفي ولم يكن أبوه الا عائقاً خارجياً عارضاً. وقد تميّز سامي بالصلابة وبأنه، كما يقول الشاعر ، اذا هم .. أمضى عزمه غير جازع. غير أنه لم يكن يستطيع أن يكون صلباً الا حين يدرس الأشياء ببطء ويقتنع بها. 
فقد رأيناه عنيداً كل العناد حين أراد أن يلبس الجبة والعمامة مع رفقائه ، وقد عاند وخالف أمه بنفس الصلابة حين دخل المعهد الديني. والواقع أنه أراد أن يكون شيخاً ولم يكن لأحد تأثير عليه. ثم بدأ ، فيما بعد ، ينتفض ويغير أتجاه ارادته ، وقد أقتضاه التطور الكامل عدة سنوات ، ومن ثم واجه ارادته الكامنة الحقة. 
وأما المشكلة الثانية فهي مشكلة تثيرها قصص سهيل أدريس ورواياته عموماً وهي ما أسميه بمشكلة سير الحياة ، ان سهيل ، كما هو معروف عنه ، يستمد الكثير من وقائع رواياته من حياته الشخصية. وذلك شئ لا يعني القارئ الموضوعي ولا الناقد ، فمن حق أي مؤلف أن يكتب حياته في قصص ما دام يضع ذلك في الإطار الفني المقبول ، وما دام لا يخرج به عن الحدود الطبيعية للرواية . ذلك ان المنبع الوحيد للرواية الحقة هو الحياة ، وتفاصيل حياة المؤلف لا تخرج عن حدود الحياة ، فمن الطبيعي اذن ان تدور رواية (الخندق الغميق) على سيرة مؤلفها .. وليس من أعتراض قط على ما تقصه علينا الرواية من الحكايات عن طفولة المؤلف والمعهد الديني الذي درس فيه ، وعلى ما وصف من ملامح أبويه وربما بعض أخوته مثل هدى. كل ذلك قد كان جميلاً ما دام قد أحتوى على الملامح الفنية للرواية الجديدة وقدم لنا حبكة مثيرة وأشخاصاً ذوي حيوية يملكون من الأصالة ما يجعلهم يساعدون في بناء رواية ذات جو. وأنه لواضح أنه ما دامت الأبعاد الفنية للرواية مكتملة فأن السؤال عن علاقة هذه الأحداث بحياة المؤلف الواقعية يصبح سؤالاً متطفّلاً لا حق للناقد بأن يلقيه.
وانما تأتي واقعية الرواية ، لا من انها قد وقعت فعلاً في الحياة ، وانما من انها قد وقعت في داخل الرواية نفسها. أننا بهذا الحكم نميّز ، في الواقع ، بين دائرتين تقع فيهما الأحداث : دائرة الحياة ودائرة العمل الفني ، وكل دائرة منهما مستقلة عن الأخرى تمام الأستقلال ، ويكون الخط الفاصل من القوة بحيث يصبح من المعقول تماماً أن يقع الحادث في الحياة الفعلية مع ذلك يبدو غير واقعي حين يدخله المؤلف في روايته ، ولقد وقعت في سياق (الخندق الغميق) بعض من هذه الأحداث غير الواقعية فأساء ورودها إلى تماسك العمل الفني وأحدث تخلخلاً في بعض جهاته. والحق ان الأحداث التي يمكن سردها في سيرة حياة المؤلف ليست كلها مما يمكن سرده في رواية مشتقة من هذه السيرة. وسبب ذلك هو الفرق بين (سيرة الحياة) و(الرواية) فالأولى هي الحياة نفسها بلا تشذيب ، وأما الثانية فهي الحياة مصوغة في اطار فني ، وذلك يخضعها لكثير من الحذف والتركيز والتلوين لكي يكتمل العمل الأدبي. 
ان خير نماذج هذا الخروج من السياق الروائي إلى سياق سيرة الحياة هي اشارة المؤلف(3) إلى الحرب العالمية الثانية ، نحن نحب ان نقف عند هذه الاشارة وندرس علاقتها بأحداث الرواية من الناحية الفنية. وسوف نلاحظ أولاً ان ايراد الحرب العالمية الثانية في خط الأحداث في الرواية يفيد التوقيت ، اذا أردنا أبسط الفوائد ، فما يكاد سهيل يقول (كانت قد مرّت عليهما ثلاثة أيام حين أعلنت الحرب العالمية الثانية.) حتى نعلم ان الشخصين المشار اليهما قد غادرا قرية المريجات بتاريخ 27/8/1939 وذلك لأن تاريخ اعلان الحرب معروف لنا جميعاً. والسؤال الآن هو: إلى أي حد كانت رواية (الخندق الغميق) تحتاج إلى هذا التوقيت ؟ وماذا تخسر اذا نحن حذفناه ؟
في الواقع ان (الخندق الغميق) ليست رواية تاريخية لان أحداثها لا تقوم على التواريخ وهي أصلاً لم تبدأ بتأريخ ، وقد كان المؤلف مصيباً عندما لم يشر فيها قط إلى تاريخ السنة التي دخل فيها بطله المعهد أو أي تاريخ آخر غير ذلك. ولذلك تصبح ناحية التوقيت ضعيفة. ونحن نقطع هنا ثقة ان سهيل لم يقصد إليها ولم يحاول ان يعطينا تاريخ مغادرة بطله للمريجات حين ذكر الحرب. فلماذا اذن ذكرها ؟
لعل بعض القراء سينبرون للرد على هذا السؤال قائلين بحرارة انه ما من شيء على الاطلاق يمنع المؤلف من الاشارة إلى الحرب العالمية الثانية ، فما دام ذلك قد وقع في الحياة فان ذكره في الرواية سيزيدها واقعية ويشعرنا بأنها رواية حية أصيلة تنبض بالصدق والأصالة ، ولسوف يحتج علينا أكثر من قارئ متحمّس قائلاً: ألا يجوز اذن ان نذكر الحرب في رواية من الروايات ؟ أو ليست الحرب حادثاً من الأحداث ؟ أو لم تهز حياة الملايين من النس في وطننا العربي الكبير ؟ لماذا اذن ، وبأي حق نطردها من مملكة الفن الروائي هذا الطرد ؟ ولماذا ينبغي لنا أن نسمح لسهيل ان يحدّثنا بكل حرية عن مغامراته العاطفية مع بنت الجيران ونعتبر ذلك واقعياً ، بينما ننتقد حديثه عن الحرب ونسميه اقحاماً لا صلة له بأحداث الرواية ؟
في الحق ان السؤال يبدو وجيهاً ، ولكن هذه الوجاهة ، لو دققنا ، ظاهرية وحسب. أننا ، مع القارئ ، في ان الحرب العالمية في ذاتها ، لا تمتنع ان تكون موضوعاً لرواية عظيمة. لا بل أننا نزيد فنقول انها تصلح لأن تكون منبعاً لأعظم الروايات ، وفي امكان سهي لان يدخلها في سياق (الخندق الغميق) بمنتهى الحرية والأصالة والجمال. ذلك كله حق. وانما أعتراضنا هو على مدى صلة هذه الحرب بأحداث الرواية ، على ما هي بين أيدينا الآن. وبكلمة أخرى ، ما مدى واقعية الحرب العالمية الثانية في داخل رواية (الخندق الغميق) ؟ وهل تكفي الواقعية الضخمة التي تملكها هذه الحرب في نفوسنا لجعلها على مثل تلك الواقعية في رواية سهيل ؟ 
أما جوابنا القاطع هو النفي . ونحن نجزم بان هذه الحرب التي تملك كل الواقعية في أذهاننا ونفوسنا ، قد تجرّدت من واقعيتها في رواية (الخندق الغميق) ، وبدلاً من ان تعطي صفة الصدق إلى الأحداث ساهمت في تبديد بعض الواقعية الجميلة التي حفلت بها الرواية. وسبب ذلك ان الحياة الواسعة الكبرى قد أعطت للحرب صفتها الواقعية في نفوسنا بما عانينا نحن منها ومن أهوالها سنين ، وبما تركت من آثار في أرضنا وأفكارنا وعواطفنا ، وأما في رواية سهيل فان هذه الحرب لا تعيش ، لا تتنفس وانما يأتي ذكرها في موضعين عابرين ثم تغيب نهائياً(4). أننا لا نراها تؤثر أي تأثير في حياة سامي أو أهله فلا نسمع مثلاً أن الحبيبة قد قتل أبوها بشظية قنبلة فأضطرها ذلك إلى الأبتعاد عن سامي لسبب من الأسباب ، ولا نرى هذه الحرب تتسبب في تشريد أسرة سميا أو سامي بحيث يصبح ممكناً أن نقول انها غيّرت مجرى حياة الأشخاص ولذلك أوردها المؤلف. لا ، لم يكن للحرب أي من هذه التأثيرات . ولو كان لها لأصبحت جزءً واقعياً من الرواية وكان ذلك سينزع عنها صفة التاريخ ويجعلها فناً. وأما وهي قد وردت هذا الورود العابر الذي نزع عنها أهميتها الفظيعة ، فانها قد أصبحت ، ولا ريب ، في مستوى حمى التيفوئيد التي أصيب بها سامي عند دخوله الكلية(5) فلم يشر إليها الا اشارة عابرة في سطرين ثم لم نسمع بها ثانية. 
ان المؤلف ، اذا تأملنا موقفه ، انما أورد هذه الأحداث لمجرد انها قد وقعت فعلاً في حياته ، ولقد أجتذبته الواقعية العميقة التي تلتصق بها في نفسه فأدخلها إلى روايته ، ناسياً أن يجعلها (تقع) أولاً في داخل الأحداث التي كتبها وبذلك يسبغ عليها واقعيتها الفنية. والواقع أنه لا يكفي ، لكي تكون أحداث الرواية واقعية ، أن تكون تلك الأحداث قد وقعت فعلاً في حياة المؤلف ، وانما ينبغي أن يتكرر حدوث هذه الأحداث في سياق الرواية وكأنها لم تحدث قبل ، وكأن البطل يعانيها لأول مرة ، وكأن القارئ لا يعرف عنها شيئاً. وذلك لأن البطل انما يعيش في أحداث الرواية نفسها ولا صلة له بالحياة الحقة التي يرمز إليها بالنسبة للمؤلف. وانما الرواية دنيا مستقلة منفصلة لها زمانها ومكانها وأشخاصها. ان زمننا الخارجي الذي نعرفه غريب فيها ولا معنى له ولا كيان ، ولذلك لا يحق لنا أن نقحم أي جانب منه في داخلها. أن المؤلف الذي يكتب رواية يخلق دنيا جديدة وزمناً جديداً ويدير أحداثاً لم تقع قبل ولم تخطر على بال إنسان ، وانما تقع الآن بتأثيرات تنبع من أحداث الرواية نفسها ، وتؤدي إلى نتائج تقع ضمن تلك الأحداث. وعند ذاك تلوح الأحداث كلها (ضرورية) لا مفر من وقوعها ، وتصبح الحرب نفسها مبررة. 
وانما تكمن صفة الواقعية ، سواء أفي الفن أم في الحياة ، في ان الأحداث تلوح (ضرورية) بحيث اذا حذفناها تغيّر وجه التاريخ كله ، تاريخنا نحن أو تاريخ البطل الذي تدور حوله الرواية ، فاذا قال لنا سهيل أن سامي قد أصيب بالتيفوئيد ، ثم ترك ذلك الحادث وأهمله أهمالاً تاماً يجعل له تأثيراً فعلياً في حياة سامي بعده ، فأنه بذلك ينزع صفة الواقعية عن الحادث لأنه يجعله يبدو (غير ضروري). وما ذلك الا لأن حمّى التيفوئيد حين تصيبنا في الحياة تترك آثاراً عميقة لا تمحى في كياننا وشخصياتنا وعواطفنا . ان الطفلة ذات الشعر الغزير الذي يتساقط على كتفيها حتى تضيق به أمها ، قد تصاب بالتيفوئيد فيسقط شعرها وتتغير طبيعته ويفقد لونه ، وهذه الطفلة قد تصبح من رهافة العاطفة ، بعد هذا المرض ، بحيث يؤثر ذلك في دراستها ويحولها من أتجاه إلى أتجاه. وذلك كله وغيره يعطي لمرض التيفوئيد صفة (الضرورة) حين يقع لنا في الحياة الحقة. وحين ننظر إلى الوراء نراه حادثاً محتوماً ، وندرك أنه ، لو لم يقع لنا ، لكانت حياتنا شيئاً آخر. وذلك يجعل التيفوئيد شيئاً واقعياً جداً. ولذلك ينبغي ، حين نكتب الرواية ، ونشير إلى اصابة البطل بالتيفوئيد ان نمد لهذا المرض المزعج سبيلاً كاملاً يمتد فيه بحيث يترك أثاره في أحداث الرواية بكل ما فيه من أزعاج وهز للنفس والفكر والحياة. وبذلك وحسب يصبح التيفوئيد واقعياً ويكتسب أبعاده الكاملة. 
لقد أطلنا في شرح هذه النقطة لانها وردت في عدة مواضيع من (الخندق الغميق) ومنها ذلك الفصل الذي أستعرض فيه المؤلف ذكريات حياته المدرسية في المعهد الديني(6) وهو في ذاته طريف الا أنه لا يضيف إلى أحداث الرواية شيئاً ولا يلقي حتى لمسة تحليل على سيرة سامي نفسه. والظاهر ان هذه الذكريات عزيزة على المؤلف لأنها جزء من حياته المدرسية ولذلك وجد لذة في سردها. غير ان تلك شيء وسياق الرواية شيء آخر. 
ولقد كان في الخندق الغميق أشخاص غير ضروريين مثل (عبد الكريم) و(سامية) وسوف نعرض لهذا حين نتناول تحليل الأشخاص.


أنتظر أدناه (من فضلك) الجزء التالي 

(الرواية بأعتباراتها الشكلية)

من هذه الدراسة النقدية للشاعرة العراقية الراحلة
نازك الملائكة


الهوامش ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ ـــــــــــــــ
(1) بقلم الشاعرة العراقية الراحلة نازك الملائكة. وهي دراسة نقدية لرواية الأديب اللبناني الراحل الدكتور سهيل ادريس الصادرة عام 1958 . 
(2) نشرت هذه الدراسة في مجلة (الآداب) بيروت ، العدد (3) آذار/ مارس 1960 م. كذلك ضمها الكتاب الموسوم بـ(نازك الملائكة – دراسة ومختارات) تأليف الدكتور عبد الرضا علي ، ط 1 ، بغداد: دار الشؤون الثقافية العامة – 1987 الصفحات 277 – 333 . 
(3) (الخندق الغميق) للدكتور سهيل أدريس (مطابع دار العلم للملايين. بيروت 1958) ص 94 . (هامش من وضع كاتبة الدراسة).
(4) ص 4 . و 96 (هامش من وضع كاتبة الدراسة).
(5) ص 135 (هامش من وضع كاتبة الدراسة). 
(6) الصفحات 43 – 48 (هامش من وضع كاتبة الدراسة).


_________________
<P>
<BR>
<BR></P>

وليد محمد الشبيبي

avatar
مؤسس المنتدى ومديره المسؤول
[b style="color: rgb(0, 0, 0); font-family: Arial; font-size: 16px;"](الرواية بأعتباراتها الشكلية)[/b]


[b style="color: rgb(0, 0, 0); font-family: Arial; font-size: 16px; font-weight: bold; background-color: rgb(245, 245, 255);"]يشعر عنوان (الخندق الغميق) بأن الرواية تستند إلى فكرة المكان وان عقدتها قائمة على الخطوط العريضة للحياة في حي معيّن. ومثل هذه الرواية تقوم على أساس الأوضاع القائمة في مكان ما. وتكون تلك الأوضاع هي العوامل التي تخطط أحداث الرواية. أن الخندق الغميق حي من أحياء بيروت يتحدّث عنه سامي الصبي الصغير بمحبة وحرارة. ونحن نشعر عبر الرواية ان العنصر الذي يسيطر عليها هو تقاليد هذا الخندق الغميق وعاداته ، وعلى ذلك يصبح والد سامي رمزاً مجسداً لفكرة المكان وسيطرتها على جو القصة. فهو والخندق الغميق كل واحد لا ينفصل وما أنقياد سامي لأفكار أبيه الا صورة غير مباشرة لأنقياد أعمق ، للخندق الغميق نفسه . فهؤلاء أناس يسيطر عليهم جو ذلك الشارع الذي يصفه سامي وصفاً عاطفياً شائقاً حين يتحدث عنه. 
وقد كان المؤلف موفقاً في أختيار العنوان لأنه لّم به شمل القصتين اللتين جمعهما تحت اطار واحد ، فقصة سامي ليست هي قصة هدى ، ولكنهما كليهما يكوّنان قصة (الخندق الغميق) ذلك الحي الذي خيمت روحه على حياة سامي وهدى وأسرتهما معاً. 
أما من ناحية البناء فان الرواية تتمتع بحبكة فنية كثيفة يبرز فيها عنصر الحكاية ، وذلك دون ان تفقد أي عنصر من عناصر التحليل النفسي ، وانما هي ، على العكس ، رواية تحليلية الأتجاه. أن الجمع بين كثرة الأحداث والتحليل النفسي هو ، بلا ريب ، نقطة قوة في الرواية ، لأن ذلك يجعلها أقرب إلى اصالة الحياة وعفوية البساطة. وانما تتساقط اللمسات النفسية عبر الأحداث نفسها . وقد لجأ المؤلف إلى أساليب خفية في إظهار اللفتات السايكولوجية عبر روايته فأستعمل الاشارة والتلميح والمقارنة الصامتة بمجرّد وضع الأشياء متجاورة. وذلك هو أعلى أساليب التحليل النفسي. ونحن نرى سهيل أدريس يحققه في روايته هذه بعد ان كان في (الحي اللاتيني) لا يصل إلى كشف نفسية أشخاصه ، غالباً الا بأن يتحدّث عنهم بالعبارة الصريحة. ولذلك نجده هنا أكثر بساطة وعمقاً ، وأقرب إلى الحياة الإنسانية الحقة. ذلك ان الحياة لا تعلق الا بالأحداث ولا تكشف عن النفسيات الا بصمت عميق. وذلك ما تحقق في رواية سهيل هذه وهي بذلك قد نجت من أن تكون ، كبعض القصص العربية الحديثة والروايات ، مغرقة في تحليلات ذهنية لا أول لها ولا آخر ، دونما احداث حقة ولا حركة زمنية. وانما الرواية الجيدة قبل كل شيء حومة أحداث ، شأنها في ذلك شأن الحياة. ولا تأتي اللمسات النفسية ولا تبرز عواطف الأشخاص الا نتيجة للأحداث وبصورة غير مقصودة. 
ولقد برزت في (الخندق الغميق) محاولات واضحة لتأليف الأحداث ورصفها وموازنتها ، بحيث تخرج الحبكة عن أن تكون أنثيالاً مضطرباً غير موزون كما يحدث لبعض الروايات العربية ، فرأينا المؤلف ينثر بعض الرموز الخفية عبر الأحداث يشير بها إلى ما سوف يقع في مستقبل الأحداث مثل المصادفة المحضة التي جعلت القرعة تسقط على قلم الحبر هدية لسامي ، مما نتذكّره فيما بعد كإشارة تنبؤية بالمستقبل الأدبي الذي ينتظر الصبي ، ومثل أنفراط العمامة التي كان الأستاذ يعدها لسامي ، وهو أمر جعل الأستاذ الفظ يقول للغلام عبارته الموجعة (ستكون شيخاً منحوساً). وهي عبارة تنبأت بمستقبل العلاقات بين سامي وعمامته هذه. أن أمثال هذه الاشارات الحية تشير إلى ان المؤلف قد خطط روايته وعاش أحداثها كاملة قبل أن يبدأ بكتابتها. وقد أفادت الرواية من ذلك فكان شكلها طيباً على العموم. 
غير ان مما يؤخذ على تأليف الرواية ان عناصر التوتر غير موزّعة بالتساوي عليها فالأحداث كثيفة في مكان ، مخلخلة في مكان آخر. ان العمل الفني يبلغ ذروته حين يخلع سامي العمامة والجبة ويجابه أباه الغاضب الثائر بقراره ذاك. ومنذ هذا تصبح الأحداث أقل توتراً وحيوية. ان هدى التي تبرز إلى ميدان البطولة بعد هذه النقطة ، لا تملك من لمعان الشخصية ولا من قوة الفكر ما يجعلها تكون العمود الفقري لخاتمة موفقة للرواية. وبالمقارنة مع سامي الذي يملك الأصالة والحرارة والحيوية ، نجد هدى باهتة وغير مركّزة . وهي في محاولتها أن تنحّي نفسها أحياناً وتضع سامي بطلاً لا تزيد نفسها الا ضآلة وقلة حيوية . ولذلك نشعر ان القسم الثاني من الرواية أقل حياة وأصالة من القسم الأول ، وان الأحداث فيه منشورة لا تشدها عقدة مهيمنة ، فكأن المؤلف لم يؤلفها وانما أكتفى بسردها. ومع أن أسلوب سهيل في عرضها كان أسلوباً جذاّباً يحبب نفسه إلى القارئ بمختلف الأساليب الخفية ، الا ان الأحداث تبدو منفصلة عن بعضها لا يربط بينها رابط وثيق. والحقيقة ان القسم الأول من (الخندق الغميق) كانت أكثر وحدة ، وأملك لخصائص حبكة روائية طبيعية من القسم الثاني. 
هذا ولابد لنا من كلمة عن عنصر الزمن في الرواية ، وقد لاحظنا ان المؤلف عالجه بشيء من قلة الأكتراث. ان هناك وقفة زمنية طولها ثلاث سنوات بين القسمين الأول والثاني ، وذلك يجعل الرواية مشقوقة شقين. أجل ، ان المؤلف انما قصد إلى ان ينتهي ، بعبور هذه السنين الثلاث ، إلى حل المشكلتين الرئيستين في القسم الأول وهما مشكلة الزي الديني ومشكلة غياب سميا في مصر. وكلاهما تنحل بأنصرام ثلاث سنين. غير ان ترك كل هذا الوقت ينصرم يجعل حبكة الأحداث ترتخي ويخفف من حدة التوتر إلى حد بعيد. اليس من المنطقي ، عند انصرام ثلاث سنوات لم تتصل خلالها سميا بسامي قط ، ان يخف أنشغال سامي بحبها إلى درجة تفقد عودتها كثيراً من حرارتها وحيويتها ؟ والواقع ان القانون في الحياة هو انه كلما تتابعت الأحداث في فترة أقصر ، كانت حدتها أشد وتأثيرها أعمق. وذلك ينبغي ان يكون القانون في الرواية أيضاً. وأما تلك الروايات التي تمتد على سنين طويلة فأن المؤلف يحتال عليها بأن يتابع كل فترة فيها بتفصيل مقدماً حلقات من الأحداث المثيرة المتلاحقة. وبذلك يزيل أحساسنا بوجود ثغرات زمنية.
أما من ناحية الزاوية التي نظر منها المؤلف إلى أشخاصه فأن الخندق الغميق مقسومة قسمين ، كان القسم الأول يتبع الأسلوب المسمّى بالمونولوج الداخلي وفيه تابع المؤلف عواطف سامي وأفكاره بضمير الغائب ، فأسلم إليه قياد الزمن ، وصحبه في كل مكان تاركاً من أجله كل الأشخاص الآخرين. وأما القسم الثاني فأنه مكتوب على لسان هدى شقيقة سامي . وقد كان الأنتقال من الأسلوب الأول إلى الأسلوب الثاني في الفصل الثاني من القسم الثاني ولم يمهّد له المؤلف بأي شيء. ومن الحق أن نلاحظ ان ذلك يفاجيء القارئ مفاجأة غير هيّنة ويبلبله أول وهلة فلا يعرف من هذا المتكلّم وكيف بزغ فجأة. 
وقد يكون الأعتراض على مجرّد تغيير زاوية النظر التي يتطّلع منها القاص تعسّفاً منّا اذا وقعنا فيه ، فأن أبسط دراسة لهذه النقطة في الروايات الأوروبية الكبرى تثبت أن التلاعب بزاوية النظر شيء وارد ومن أمثلته التي تحضرني – بداهة ودونما مراجعة أو اعمال ذهن – ما وقع في رواية فلوبير (مدام بوفاري) حيث نجد المتكلّم في الفصل الأول تلميذاً صغيراً في صف اللغة اللاتينية ، ثم سرعان ما يتلاشى هذا المتكلّم ولا نسمع به قط ويروح المؤلف نفسه يسرد الأحداث. ومثل ذلك يحدث في رواية دوستويفسكي الرائعة الجمال (الشياطين) التي كان المتكلّم فيها شخصاً ضعيف الأثر في القصة فكان المؤلف ينساه عبر مئات الصفحات أحياناً حتى كأنه لم يعد موجوداً ثم يعود وينعشه ببعض الحركة والحياة. وانما الأعتراض في رواية سهيل على انه أنتقل من ملازمة سامي بالضمير الغائب إلى ملازمة هدى بالضمير المتكلّم. وفي ذلك محذوران:
(الأول) ان المونولوج الذي يتناول البطل من أعماقه النفسية يبقى ، رغم كل شيء ، خيطاً في يد المؤلف يحرّكه من الخارج. 
أن المؤلف ما زال هو الراوية . ولذلك فعندما تبزغ هدى بضميرها المتكلّم يعني ذلك انها تنحّي المؤلف جانباً وتأخذ مكانه. وقد كانت المفاجأة تهون لو ان المؤلف تحدّث عن هدى بالمونولوج الداخلي كما تحدّث عن سامي. 
(الثاني) ان سامي الذي شغل ثلاث أرباع الرواية وكان محورها الوحيد ومركز أحداثها ، قد أصبح أقوى من أن يمكن لأي شخص في الرواية أن ينحّيه ويأخذ مكانه. ذلك ان المؤلف قد لازمه وجعله بؤرة النظر التي نتطلّع منها على الأشخاص الآخرين والأحداث. فكنّا دائماً نقف حيث يقف. اذا ذهب إلى المعهد ذهبنا معه ولم نعد نعرف ما يجري في البيت . واذا عاد إلى المنزل فنحن نصحبه إلى هناك. ان كل أنطباعاتنا عن الآخرين تأتينا بواسطته هو ولم يحدث لنا قط أن تركناه في مكان وذهبنا إلى مكان آخر. ولذلك نفاجأ ونشعر بالضيق حين نتركه ذلك الصباح واقفاً أمام منزل الحبيبة المتغيبة ونعود وحدنا إلى (الخندق الغميق) لنصغي إلى هدى تحدّثنا بضميرها المتكلم عن نفسها. هذه كانت أول مرة نجول فيها ولا يرافقنا سامي. والمفاجأة غير هينة.
غير ان تغيير زاوية النظر ، بعد ان نتخطّى محذوراته ، لا يخلو من فائدة فنية. وذلك طبيعي ، كما في الحياة الكبرى خارج حدود الفن ، فما من شيء يزعجنا ويضايقنا الا ويعقب بعض المزايا. فماذا كسبنا من بروز هدى وأستلامها دفة النظر والتعليق ؟
أننا أولاً نكتسب نظرة خارجية نرى فيها بطلنا سامي . فبعد ان عرفنا سامي من وجهة نظر سامي ، نعرفه الان كما تراه أخته هدى. 
وذلك يلقي ضوءاً على نفسيته وسلوكه. والفائدة الثانية هي ان القصة في القسم الثاني هي قصة هدى فهي اذن أقدر من سامي على رواية أحداثها ، وقد أراد سهيل أن يعطي الزمام إلى هدى نفسها فكان لا بد له ان ينحّي سامي من الميدان أولاً. 
وهناك فائدة ثالثة تنبع من التشخيص الدقيق الذي أسبغه المؤلف على شخصياته فالملاحظ ان سامي محصور في نفسه غالباً وقلّما يلتفت حوله ليلاحظ الآخرين. أما هدى فهي شخصية مفتوحة النوافذ على ما حولها ، وهي أقوى أحساساً بالمواقف الخارجية من سامي ، فما كادت تستلم زمام الحكاية حتى أصبح أطلاعنا على شؤون الأسرة كلها أكبر . وكان سامي نفسه موضع عناية هدى فأكثرت من الحديث عنه حين أتيحت لها الفرصة. ولذلك أفاد تغيير موقف المؤلف في توسيع أفق الرواية.[/b]


[b style="color: rgb(0, 0, 0); font-family: Arial; font-size: 16px; font-weight: bold; background-color: rgb(245, 245, 255);"]دراسة الشخصيات


– شخصية سامي –[/b]


[b style="color: rgb(0, 0, 0); font-family: Arial; font-size: 16px; font-weight: bold; background-color: rgb(245, 245, 255);"]لعل رواية (الخندق الغميق) تستمد أكثر جمالها وقوة تأثيرها من شخصية بطلها بما يملك من أبعاد فكرية وملامح عاطفية. والواقع ان شخصية سامي تطغى على سائر شخصيات الرواية حتى انهم يلوحون جميعاً باهتين اذا ما قورنوا به. ولذلك رأينا الرواية تشحب حين ينحّي المؤلف سامي ويهتم مكانه بهدى .
وأجمل صفة في سامي أنه بطل متطوّر تمر شخصيته عبر الرواية بسلسلة تحولات نفسية كما يحدث لإنسان يعيش الحياة الفعلية . ان رواية (الخندق الغميق) هي ، في حقيقتها ، دراسة حية للنمو العاطفي والفكري والاجتماعي في حياة الغلام سامي ، وقد أعطانا المؤلف هذه الدراسة بأن ترك بطله يعيش أمام أعيننا ويتفتح وينضج . وما بين دفتي الكتاب ، أنتقل سامي من طور إلى طور ، رأيناه يبدأ غلاماً مثالياً مرهفاً يضع (الواجب) فوق عواطفه وفوق مصلحته فينقاد أنقياداً كاملاً لما يغرسه فيه أبوه وبيئة الخندق الغميق ، ثم رأيناه ينتهي شاباً يضع إنسانيته فوق كل أعتبار ، ويعد الأنقياد لفكره وعواطفه الواجب الإنساني الأعظم ، مدركاً أن مطاوعة ميوله لا يمكن أن تسوقه إلى غير الابداع والسعادة الحقة. 
أن الاتجاه الذي سار عليه خط النمو والتكامل لدى سامي قد بدأ بفكرة (الواجب) الذي كان سامي يعدّه أقدس شيء في الحياة، وأنتهى بفكرة (الحياة) التي أصبح سامي يعدها فوق الواجب وفوق كل شيء. فاذا كان واجب سامي نحو أبيه يضطره إلى ان يقص أجنحته ويقتل عواطفه ويعيش آلة تؤدي واجبات مجرّدة ، فان سامي يتمرّد على ذلك الواجب ويعده تصنعاً وكذباً على النفس. وسرعان ما يُدرك ان خيانة الذات هي أعظم الخيانات وأفدحها ، وأنه خير للمرء أن يرفض رغبة أب متسلّط من ان يخنق هتافات الحياة المزقزقة في نفس شابة موهوبة مملوءة بالحيوية والأمكانيات.
ويمكن ان نجعل تطوّر سامي من نقطة (الواجب) إلى نقطة (الحياة) في أربع مراحل تجري كما يلي: 
أ – المرحلة الأولى وهي مرحلة الأنقياد الكامل لآراء أبيه . وتتمثل في حادث الشيخ الكسيح ذي العكازات .. 
ب – المرحلة الثانية وهي مرحلة التأمل غير الواعي فكان سامي يشعر بأنه غير سعيد ، غير راضٍ بأنقياده وأستسلامه ، دون أن يجرؤ على تشخيص ضيقه. والرمز لهذه المرحلة هو الموقف الذي لم يكن سامي فيه يدري ان كان ما على وجهه دموعاً أم قطرات مطر.
ج – المرحلة الثالثة وفيها يندفع سامي إلى التمرد على الواجب ولكن دون ان يتخذ تمرّده مظهراً فكرياً مدروساً. وانما كان سامي يعيش تمرّده دون ان يشخّصه أو يتخذه مبدأً. وعنوان هذه المرحلة هو حب سامي لسميا وما صاحبه من أحداث. 
د – المرحلة الرابعة وهي مرحلة التمرد الفكري المدروس الذي ينبع عن تصميم وإرادة وإدراك واع. وتتمثل هذه المرحلة في خلع سامي للجبة والعمامة. 
ان هذه المراحل ليست قسرية ولا نظن المؤلف نفسه قد لاحظها وهو يكتب ، وانما هي تخطيطات نفسية لتسهل علينا متابعة تطور سامي. وقد يحدث ان تتداخل هذه المراحل ، غير ان سامي كان يتجه عبرها ببطء نحو التحرر الكامل من كل ما يشل إنسانيته ويبدد حيويته الفكرية والعاطفية. وسوف ندرس كل مرحلة على أنفراد. [/b]
[b style="color: rgb(0, 0, 0); font-family: Arial; font-size: 16px; font-weight: bold; background-color: rgb(245, 245, 255);"](الرجاء أنتظار
الجزء التالي من 
الدراسة في 
القريب العاجل
بإذن الله)[/b]


_________________
<P>
<BR>
<BR></P>

وليد محمد الشبيبي

avatar
مؤسس المنتدى ومديره المسؤول
[b style="font-size: xx-large; font-family: 'Times New Roman'; color: rgb(165, 0, 33); font-weight: bold;"]أ – المرحلة الأولى[/b][b style="font-size: xx-large; font-family: 'Times New Roman'; color: rgb(165, 0, 33); font-weight: bold;"] [/b]
في رواية (الخندق الغميق) ، كما في الحياة نفسها ، تبرز الظواهر محوطة بالغموض والضباب ، فيبدو ان للحادث أكثر من سبب ، وتتداخل الظروف بحيث يصعب ان نعين شيئاً نقول عنه أنه السبب الوحيد في الظاهرة . ومن هذه الظواهر حماسة سامي المفاجئة لأن يكون شيخاً . فما الذي جعل هذا الغلام يتخذ مثل ذلك القرار ؟ ان المؤلف يترك السؤال معلقاً ولا يحاول ان يعطينا جواباً صريحاً له وأنما يكتفي بزرع بعض الاحتمالات هنا وهناك ، كما يحدث في الحياة ، فلا نستطيع نحن ان نقرر إلا باللجوء إلى التحليل النفسي ومن ثم التخمين.
أما في النص الحرفي للرواية فأننا نجد تعليلين عابرين يمكن أن يكون أي منهما هو السبب المباشر في قرار سامي هذا ، أحدهما ان سامي قد عاش في أسرة يؤمن ربها بأن أنخراط أولاده في سلك الشيوخ هو أعلى أنواع (البر) به ، ولذلك كان يستقبل سامي الذي لبس العمامة ، قائلاً: (أهلاً بالشيخ سامي.. أهلاً بالأبن البار.)(7) وقد كان يهيئه للجو الديني بأشراكه في حلقات الذكر ، وكان يسأله أن يحفظ الأحاديث النبوية ويلقيها في هذه الحلقات ، ويشجع على منحه الهدايا مكافأة له على ذلك. وعلى أساس هذه الظروف يكون سامي قد أختار المشيخة استجابة لرغبة أبيه. 
والتعليل الآخر يكمن في ذلك الحادث الدال الذي وقع لسامي في صباه مع الشيخ الكسيح ذي العكازين. ففي براءة الطفولة التي تشعر أن كل شيء ينبغي أن يكون ملكاً لها ، مد سامي الصغير يده وأخذ علبة من حانوت ، في غفلة من البائع . وصدف ان شاهده شيخ كسيح كان يجلس في الحانوت فصاح وركض خلفه ليمسكه . وأنطلق الصغير يعدو في رعب شديد . وكانت النتيجة ان الشيخ عوقب على فظاظته مع الولد بأن سقط على وجهه وهو يسب ويلعن ، بينما أندفع سامي صارخاً يلتمس العفو والحنان من أمه دون أن يصارحها بما فعل. ثم مرض الصغير أياماً وعندما شفي قرر ان يكون شيخاً . ان الظاهر من هذه الحكاية ان سامي انما أتخذ قراره هذا بتأثير الحادث المذكور ، فكأن رغبته المشيخة قد كانت عملاً من فعل الضمير المرهف قصد به التكفير عن السرقة ، أو عن الاساءة إلى شيخ كسيح مسكين أو نحو ذلك.
هذان هما التعليلان اللذان يمكن ان يكونا سبباً لدخول سامي إلى المشيخة فأيهما هو السبب الحقيقي ؟ أننا نميل إلى أعتبار حادث الشيخ ذي العكازين مجرّد انضاج حاد لاستعداد نفسي طويل سبق لسامي ان مر به قبل هذه النقطة من حياته دون ان نعتبره السبب المباشر لدخول سامي إلى المشيخة. وسبب ترجيحنا هذا أننا لا نرى سامي يعود إلى التفكير في هذا الشيخ قط ، فلو كان ضميره مثقلاً به للازمته صورته سنين. والواقع ان الحادث كان عابراً ولم يزد علماً ان شحذ في ذهن سامي الفكرة التي سبق لأبيه ان غرسها فيه ، وهي فكرة الدخول إلى المشيخة.
ان السبب الحق لدخول سامي إلى المعهد الديني ، في رأينا ، هو أنه قد الف ان يكون ولداً مطيعاً وان يُقدّس طاعة الأب ويضعها فوق كل شيء. ولقد كان شاعراً بأن أباه يريده شيخاً فلم يكن له مفر من ان يحقق له رغبته مهما كلفه ذلك. ولعل معترضاً ان يحتج على رأينا هذا بأن سامي كان مسحوراً بالفكرة التي يسمعها من أبيه (العمامة تاج العرب) ، وان ذلك ينم عن ان هناك دافعاً من الحماسة الايجابية للمشيخة تنبع من نفس سامي ، فليس أبوه هو السبب في دخوله المشيخة ولا الشيخ الكسيح . والحق ان هذا الأعتراض يستحق التأمل وقد يميل المرء إلى أن يأخذ به ، غير ان نظرة فاحصة نلقيها على نص الرواية لابد ان تردعنا عن ذلك. فان كل سلوك سامي ، فيما بعد ، وكل أحاسيسه ومشاعره وأستجاباته ، تنم عن انه لم يسعد لحظة بفكرة المشيخة. وذلك لا يترك مجالاً لأن نعتبره متحمّساً. 
لابد لنا اذن ان نعود إلى فكرة الطاعة التي يؤمن سامي بأنها واجب الولد نحو أبيه ، وسنجد ان سامي قد التقط تعريف أبيه للبر بالأب. وعلى هذا الأساس يمكن ان نعلل أفتتان سامي بالعمامة ، تاج العرب ، بأنه كان افتتاناً متصوّراً لا واقعياً. فقد يكون سامي أحس بثقل واجبه نحو أبيه ، وبنفوره من العمامة ، فأراد أن يخفف وقع ذلك على نفسه اليافعة وحياته ، بتلمس الناحية الجمالية لذلك الواجب وهذه العمامة. وفي هذه الحماسة التي يوحي بها سامي لنفسه ، عزاء لقلبه يعطي بعض السعادة للنفس اليافعة التي تتفتح للحياة على مثل هذا العبء الثقيل(Cool.
وهكذا تبرز الخاصية الرئيسية لهذه المرحلة من كيان سامي النفسي. فنجده في بداية حياته الفكرية الواعية ، ينقاد للواجب أنقياداً متطرّفاً فظيعاً ، فلا يكتفي بأن يتقبّله ويتعذّب به ، وانما يزيد فيقنع نفسه بأنه متحمّس له وأنه يحبّه ويفتتن به . وهذه هي المرحلة السلبية المتطرّفة من حياة سامي. 
[b style="color: rgb(0, 0, 0); font-family: Arial; font-size: 16px; font-weight: bold;"]
ب – المرحلة الثانية 
في هذه المرحلة يكف سامي عن إبداع مغريات يجمل بها الواجب ويعطيه مظهر العمل اللذيذ الذي يرغب فيه لذاته ذلك ان الدخول إلى المعهد الديني يعطي لسامي أول فرصة يذوق فيها طعم هذا الواجب الذي كان يغني له ، فما كاد يلامس شفتيه حتى وجده مراً لا يحتمل . ولكن سامي الذي كان سلبياً إلى ذلك الحد ، لم يملك الآن الايجابية ولو بقدر يجعله يعترف بأن طعم الواجب مر. على ان أعترافه بتلك المرارة أو عدم أعترافه لم يغير من أحساسه شيئاً. فسرعان ما رأيناه ذات يوم يسير تحت المطر ويبكي دون ان يدري. وهذا الحادث هو خير تمثيل لهذه المرحلة التي أنتقل فيها سامي من السلبية المتطرّفة إلى السلبية المعتدلة . ولذلك سنقف عنده ونحلله حتى نصل إلى جذوره .
كان ذلك في أول يوم يخرج فيه سامي إلى الطريق بعد ان أرتدى العمامة والجبة وأصبح شيخاً. وما يلبث حتى يصطدم بفكرة تحاصره وهي أنه ينبغي أن يكون (رصيناً) كما تقتضي العمامة التي يلبسها وتتطلب هذه الرصانة أن يسير ببطء واتزان مع أن المطر كان ينهمر ويحتم عليه أن يركض تحاشياً للبلل. وعندما يوازن سامي بين ان يبتل ، وان يخون رصانة عمامته ، يفضل البلل ويواصل السير ببطء محتملاً أزعاج المطر في صمت. وعندما يمر الترام المزدحم ويفكر سامي في ان يأخذه إلى المنزل ، يتذكّر الرصانة التي تمنعه من أن يركض ويتعلّق بالترام فيتركه يفوته. وكل ذلك يجمع في نفس سامي غيظاً وألماً ومقاومة وبعض شعور بالمذلة الا أنه لا يشخص شعوره ولا ينتبه. ويكون صوت أمه أول جرس ينبعث من أعماق الواقع. فعندما يصل إلى البيت وتراه أمه يدخل بوجهه المبتل تسأله بداهة: (أنت تيكي ؟ لماذا يا حبيبي ؟ أتبكي لأنك أصبحت شيخاً ؟)(9) ويجيء هذا السؤال مشخصاً لشعور سامي تماماً ، ولكن سامي لا يشخّص أحساسه. وحين يسمع تعليق أمه يقرر فوراً ان هذه ليست دموعاً وانما هي قطرات مطر . وفجأة يأتي أبوه فيقول مؤنباً زوجته: (لماذا لا تفتحين عينيك جيداً لترى ان هذا من ماء المطر وليس من الدموع ؟ صدق النبي العظيم . النساء ناقصات عقل ودين.) 
وفي حومة هذه المجادلة بين الأم والأب يقف سامي بوجهه المبلل مبهوتاً صامتاً لا ينبس بكلمة يفض بها الجدل. ولعل كل قارئ قرأ الرواية قد عجب منه لماذا لم يتكلّم ، وما هذا الصمت التائه الذي يغلّفه ويتركه يقف محايداً في جدل يقوم حوله هو. ولعل بعض القرّاء سيلومون المؤلف على أنه ترك سامي ساكتا هذا السكوت العجيب. والواقع ان هذا الصمت شديد التعبير ، وهو مرتبط أشد الأرتباط بشخصية الغلام بحيث نعده أكبر لمسة تحليلية أعطانا أياها سهيل. ومضمونها ان سامي انما يسكت ولا يتكلم ، لانه لا يدري فعلاً ما الحقيقة ، وهل هي دموع كما ترى أمه العاطفية الحنون ؟ أم انها قطرات مطر كما يعتقد أبوه المتسلّط ؟ هذا الجهل منه بالحقيقة هو بلا شك عنصر غريب. فما صنف هذه الشخصية التي لا تستطيع تشخيص أحاسيسها إلى هذا الحد ؟ وما تلك القوة الفظيعة التي تسيطر على الغلام بحيث يفقد القدرة على الشعور الطبيعي إلى هذا الحد حتى يقف مشلولاً لا إرادة له بين أمه وأبيه ؟
هنا تبرز فكرة الواجب وتقدم لنا نفسها ، كحل للمشكل. ان سامي لم يعد يفهم نفسه لان أنقياده المبالغ فيه لرغبات أبيه قد أفقده حرية الشعور. كل ما بات يعرف هو ان واجبه نحو أبيه شيء ذو قداسة ولا بد من أحتماله مهما كلّف ذلك. ان الإنسان العادي الذي يؤدي واجباً ، يدرك عادة الحدود بين الواجب والمتعة الشخصية ويفهم أنه انما يحتمل التضحية برضى النفس وطمأنينتها من أجل واجب يرضي به الآخرين. وهذا الإنسان يقرر مقدماً أنه سيتألم وان الواجب لم يكون عيداً ولا غناءًَ ورقصاً ، الا انه حين يوازن بين عذاب التحمّل والعذاب الذي تأتي به عدم تأدية الواجب ، يختار العذاب الأول. وبذلك يصبح الواجب بالنسبة لهذا الإنسان عملاً إرادياً واعياً مجرّداً من اللذة يقوم به المرء مضطراً. وأما سامي بطلنا المثالي فأنه يذهب في أدائه للواجب إلى درجة يمتنع معها عن الشعور نفسه. ولذلك فحسب نراه يقف متفرجاً على همومه ، ويترك دموعه تتساقط فلا يلقي على نفسه حتى سؤالاً حولها. ولعله يشعر براحة عندما يقدم له أبوه تعليلاً بان هذه قطرات مطر لا دموع. وهو يجب ان يصدق ذلك لينتهي قلقه. ولكن من حسن الحظ أنه حين يقف أمام المرآة لينشف الماء من على وجهه ينتفض في اعماقه السؤال: أتراها حقاً قطرات مطر ؟ أم انها دموع ؟ ومع أنه يحار ولا يعرف الجواب الا ان مجرّد قيام الشك في نفسه ذو دلالة نفسية عظيمة هنا. ان ذلك هو جرس الانذار الذي يؤذن بانتهاء المرحلة الأولى. فها ان سامي قد بدأ يتصور ان من الممكن الا يكون الواجب لذيذاً. على العكس ، ان هذا الواجب قد يوجع القلب ويسيل الدموع الحارة. ومنذ هذه اللحظة يبدأ صراع خافت غير واع بين العاطفة والواجب. وتكون عدم قدرة سامي على تعيين حقيقة القطرات التي يمسحها رمزاً واضحاً للسلبية التي ما زال يتصف بها في هذا الموضع من سيرته. 
ولكن يتاح لنا أن نمضي في تحليل موقف سامي نحب ان نعود إلى الفكرة التي أشرنا إليها سابقاً حين تحدثنا عن أتجاه الصراع في الرواية. فاذا كان سامي عنيداً وذا شخصية مستقلة كل الاستقلال فكيف يتلقّى هذه (الأوامر) من أبيه وما تلك القوة التي تفرض عليه ذلك ؟ ولسوف نرى ثانية ان الأب ، في روح سامي ، ليس أكثر من مصدر عارض للأوامر. وانما يطيعه سامي لأن تلك الأوامر قد سبق أن أنطلقت من أعماق ذاته هو ، وهذا يضعنا أول مرة أمام صفة سامي العظمى التي تميّزه وهي المثالية. والحق اننا نشعر ، عبر الرواية ، بأن سامي لا يحب أباه ، ومن ثم فان طاعته له تصبح في نظرنا غير مبررة الا اذا حكمنا بأنها تسقط عليه من منابع فكرية محصنة دون ان تكون لها جذور عاطفية. والمصدر الوحيد لهذه الطاعة هو ان سامي يحب ان يكون نموذجياً في مسلكه ، وما دامت طاعة الأب أول مراحل الأخلاقية في الإنسان النموذجي فأن سامي يشعر انها أمر محتوم يجب الا يناقشه. ولذلك رأينا أول عمل يفعله ان يستسلم لمشيئة أبيه فيدخل المشيخة ويوحي إلى نفسه ، بكل صورة ، أنه انما يعمل بوحي إرادته الحقة. ولذلك فأن الصراع الحقيقي لا يقوم بين سامي وأبيه ، وانما بين سامي المثالي وسامي الإنسان. الأول يحب أن يكون كما ينبغي أن يكون ، والثاني يريد ان يعيش بملء كيانه. والرواية تدرس تطّور هذا الصراع. 
والواقع ان طاعة الأب لا تفتأ أن تتحوّل وجهاً ثانياً هو طاعة النظام فكلا الأب والنظام مفروضان على سامي من أعماق مثاليته الطيبة. انه من أولئك الناس الذين لا يستطيعون ان يتذوّقوا لذة الحرية الا بأن يطيعوا القانون طاعة كاملة ويحتملوا مسؤولية سلوكهم كل الأحتمال. وربما كانت القاعدة الفكرية التي تسير حياة سامي هي ان الحرية الحقة انما تأتي من الالتزام بكل ما يفرضه الكمال الجميل الذي تؤمن به النفس. فلكي يكون سامي بعيداً ينبغي له أولاً أن يرضي نفسه المتعلّقة بالكمال ، ونفسه لا تسعد ولا ترضى الا اذا أطاع قانون المثالية الذي يتمثّل في طاعة النظام والبر بالأب . وعلى ذلك تكون الطاعة هي الحرية الكبرى في نظر هذا الغلام المرهف الذي يقص علينا سهيل سيرته في رواية (الخندق الغميق) .
بعد هذا العرض النظري لنفسية سامي نحب ان نأتي بأمثلة من سلوكه وندرسها ، ان الصراع بين (الواجب) و(الحياة) يبدأ على صعيد فلسفي محض. فقلما يسأل سامي نفسه: (هل ذلك يرضي أبي ؟) وانما نراه يضع السؤال هكذا: (ولكن هل يليق هذا بشيخ رصين ؟)(10) ان هذا السؤال يمثل ، في الواقع ، الفكرة التي تختفي وراء مسلكه كله خلال هذه المرحلة الثانية من نموه النفسي. ذلك ان مثالية سامي وحرصه المطلق على أداء الواجب يجعلانه ينتظر من نفسه مسلكاً نموذجياً في الحالات كلها. فإذا كان شيخاً ، فهو يجب ان يكون شيخاً كاملاً بكل ما تعنيه هذه الكلمة. وما دامت الرصانة هي أعلى صفات الشيوخ فأنها تصبح بالنسبة لسامي قانوناً. أنه شيخ وهو سيكون شيخاً رصيناً . ولذلك نراه يتأمل هذه الرصانة ويحاول ان يعّين حدودها وما تبيحه وما لا تبيحه . وعند هذا يبدأ الصراع الحق بين المثالية والإنسانية. 
والواقع ان مثالية سامي تجيئه بسلسلة من القيود التي تحاول ان تخنق انسانيته وتهدم أستقلاله العاطفي . فقد سبق لنا أن رأيناه يخرج من المعهد بالجبة والعمامة ، ويرى المطر يتساقط أو الناس يتراكضون ليتخلّصوا منه ، فلا يجرؤ هو على أن يركض لئلا يخرج على الرصانة ، وانما يمشي ببطء وكأنه يسير في ضوء القمر. ورأيناه يضطر إلى أن يترك الترام يفوته خوفاً من أن يسيء إلى رصانته اذا هو تعلّق به – بجبته وعمامته – كما يتعلّق الناس غير الرصينين. ونحن نراه في مواضع أخرى يتعرّض إلى مضايقات أفظع ، مثل ان يمر بحي (الخندق الغميق) فيتجمّع الصبيان ويلحقون به هاتفين (شيخ صغير. شيخ صغير..) ويشعر هو بغيظ شديد ويهم بأن يطاردهم ويفرّقهم ولكنه سرعان ما يتوقّف وينشغل بما هو لديه من ذلك وهو السؤال: (ولكن هل يليق هذا بشيخ رصين ؟) ونحن نشعر ، دون ان يقول لنا المؤلف ان سامي قد أجاب عن السؤال بأن ذلك لا يليق. ولذلك أسكت ثورته المتأججة وقرر أحتمال غيظه اكراماً للعمامة والجبة. وهكذا تنتصر المثالية على بطلنا وترتفع راية الشيخ الكامل (أو الإنسان النموذجي بمعنى أوسع). وأما سامي الصغير الذي ينبغي ان يتفتح للحياة وينمو فأنه ينطوي على نفسه ويسكت.
غير ان الاستسلام لا يزيد المشكل الا تعقيداً ، فكلما زاد سامي مثالية عاد طريقه أشد وعورة. ونحن نبصره يسير في الطريق ذات جمعة بعد ان أدى فريضة الصلاة في المسجد ، وقد أرتفع صوت نسوي يناديه (يا شيخ ... يا شيخ ..) وما يكاد يحس بأنه يحب أن يتطلّع ويرى صاحبة الصوت حتى يعاوده سؤاله السابق فيقرر فوراً أنه (.. لا يليق بشيخ أن ينظر إلى النساء..)(11) ويجعله ذلك يتصرّف تصرّفاً آلياً فيقف مطرقاً ، ويتساءل في نفسه – دون ان ينظر – عمّا يمكن ان تريده المرأة التي نادته. ولا ريب في ان منظره في اطراقه وأنتظاره كان مضحكاً إلى درجة جرأت المرأة على ان تضحك منه فقالت له : (يا شيخ ... يا شيخ ... أنتظر قليلاً حتى أنادي أختي لتأتي فتتفرّج عليك .) ولا يخبرنا المؤلف هنا بما أحس به سامي من أشياء حين سمع ذلك ، ولكننا نستطيع ان نحدس ان هذه الملاحظة قد أزعجته أشد الازعاج. وأغلب الظن أنه لم يرد على المرأة بحرف ، لأن الرد في ظنه لا يليق بشيخ رصين. 
ان هذا الاستسلام الطريف من الغلام سامي لفكرة الشيخ الرصين حري بأن يثير فينا تساؤلاً ، فما سر هذه المبالغة كلها ؟ في الواقع ان هذه المبالغة جزء أصيل من طبيعة سامي. فهو لا يستطيع ان يتعهّد بشيء ويخونه في الوقت نفسه. وما دام قد قرر ان يكون شيخاً وأخذ ذلك على نفسه فلا بد له أن يكون شيخاً كاملاً وأن يطيع كل قانون. أن حرية سامي – كما قلنا – لا تنال أبعادها الكاملة الا في حدود ضميره ، وهذه الحرية ضرورية لسعادته. 


الهوامش ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ ـــ
(1) الصفحة 20 . (هامش من وضع كاتبة الدراسة). 
(2) ربما ذلك يشبه تماماً أغاني الحب والتدليل التي خاطبت بها (الألم) و(الحزن) في قصيدتي (خمس أغاني للأم) و(ثلاث مراث لأمي). (هامش من وضع كاتبة الدراسة). 
(3) ص 32 (هامش من وضع كاتبة الدراسة). 
(4) ص 39 (هامش من وضع كاتبة الدراسة). 
(5) ص 41 (هامش من وضع كاتبة الدراسة). 



[/b]
(الرجاء انتظار الجزء التالي 
في القريب العاجل بإذن الله)


_________________
<P>
<BR>
<BR></P>

وليد محمد الشبيبي

avatar
مؤسس المنتدى ومديره المسؤول
[b style="font-size: x-large; font-family: 'Times New Roman'; color: rgb(0, 0, 204); background-color: rgb(245, 245, 255); font-weight: bold;"]ولكن طاعة سامي للنظام ما تلبث حتى تصطدم بخيانة زملائه. ان الآخرين أقل اخلاصاً ومثالية منه وهم يحيطون به ويجرّونه إلى دائرتهم بمختلف الأساليب. وسامي إنسان يخضع للتأثيرات ، لمجرّد أنه ينظر إلى الآخرين دائماً بأحترام ويعطيهم أكثر ما يستحقونه من تقدير. وذلك مظهر من مظاهر مثاليته. وهكذا يأتي رفيق ، صديقه ، ويعرض عليه فكرة الذهاب إلى السينما برغم العمامة والجبة. ويجيء جواب سامي متوقعاً من مثله: (ولكن كيف نذهب إلى السينما ؟ وماذا نفعل بالجبّة والعمة ؟)(12) ويبدو السؤالان صورة لحيرة لا أول لها ولا آخر ، وذلك غير مستغرب ، ... فالعوائق التافهة تقوم دائماً عند سامي رمزاً لعوائق أضخم وأكبر . والواقع ان السؤال (ماذا نفعل بالعمامة ؟) ينبغي الا يقف عند المعنى الظاهري فنحن ندري انه ، من سامي ، يشخص التهيب الأخلاقي الذي يختفي وراءه ، فليس المشكل هو الوسيلة لأخفاء العمامة وانما هو التحرّج النفسي من اخفاء العمامة ، ... فكيف يذهب شيخ رصين إلى السينما ؟ والحق ان سامي لو كان وحده وكان يتحدّث إلى نفسه لما ألقى السؤال الا بهذا الشكل ، الا انه مع هؤلاء الرفاق قدمه بصيغة أبسط وكأن الوسائل هي المشكل. ويسرع رفيق إلى شرح الخطة لسامي ، بينما نشعر نحن بأن جهل سامي بالوسائل الواقعية للكذب والتمرّد ليس شيئاً عارضاً وانما هو مرتبط بشخصيته كلها وهو ، ولا شك ، يشخص براءته الاخلاقية التي ترضاها.[/b][b style="font-size: x-large; font-family: 'Times New Roman'; color: rgb(0, 0, 204); background-color: rgb(245, 245, 255); font-weight: bold;"] [/b]
[b style="color: rgb(0, 0, 0); font-family: Arial; font-size: 16px; font-weight: bold; background-color: rgb(245, 245, 255);"]وبعد ، فما أكبر الفرق بين سامي ورفيق في هذه النقطة. 
وعندما يذهب سامي إلى السينما يضطر إلى أن يكذب على أبيه فيزعم له أنه ذاهب ليذاكر ويحفظ القرآن مع زملائه. وقد يخيل الينا أولاً ان ذلك قد مر بسلام وان سامي قد أستطاع أن يغلب رهافته الأخلاقية المتسلطة. ولكننا سرعان ما نكتشف أننا واهمون. فعندما يعود إلى المنزل ويأوي إلى فراشه لينام يشعر بغصّة شديدة في حلقه ويكاد يبكي . ذلك ان أحساساً فظيعاً من الأحتكار(13) لنفسه يعتريه فقد (كذب ودخل مكاناً مشبوهاً ، وأغضب أباه وأهان جبته وعمته..)(14) وهو يجسم هذه الزلات والأخطاء فيزيد ألمه . ونحن ندري ان أياً من رفقاء سامي الأربعة الذين صحبوه إلى السينما لم يشعر بمثل ذلك وانما ذلك كما قلنا مرتبط بطبيعة سامي النفسية ! والواقع انها لفتة في نفسية هذا الغلام انه لا يحتمل ان يرتكب الأشياء بالخفية وانما يفضّل ان يصرخ بها في النور. والا فهو يفضل الا يرتكبها حتى لو كان يحبها: ويرجع هذا الطبع فيه إلى حبه المطلق للحرية ، وقد سبق لنا ان رأينا ان هذه الحرية بالنسبة له لا يمكن ان تزدهر الا في حدود الضمير . فاذا تخطته لم تعد حرية ولم يعد سامي يحبها. أنه لا يسعد بالأشياء التي يرغب فيها الا اذا أحتمل مسؤوليتها كاملة أولاً وأعترف بها أمام كل إنسان. وذلك هو الذي عزله عن رفقائه في هذه النقطة. ونحن على علم طبعاً ، بأن أستياءه من غضب أبيه عارض وشكلي فقط ، وانما المشكل الحق انه – كما قال – قد (أهان جبته وعمته) أو بكلمة أخرى خرج على رصانة الشيخ الأكمل . والدليل الواضح على هذا انه ، حين تطور ونضج بعد ثلاث سنوات من هذا التاريخ ، أصبح يذهب إلى السينما بأنتظام مع ان أباه كان لم يزل يعدها مكاناً مشبوهاً. وانما الذي تغير هو نظرة سامي إلى الأشياء ، ومفهوم ضميره. 
ولا يقف ندم سامي على الغصص التي أحسها قبيل النوم ، وانما يمضي في اليوم التالي فيشي برفقائه حين يستدعيه المدير ويستجوبه. فما كاد الناظر يوجه إلى سامي السؤال حتى أعترف بانهم كانوا في السينما وانهم لم يذاكروا دروسهم. ذلك ان سامي لم يحتمل ان يكذب ، وكأنه قد قرر ان يحتمل العقوبة ويواجه الموقف. وقد حسب سامي انه سيرتاح بعد هذا الأعتراف والتفكير. غير انه ما لبث حتى واجه نوعاً جديداً من الأسئلة الأخلاقية العكرة: أتراه قد خان رفقاءه ؟ أو ليس هو اذن انساناً غادراً لا يؤتمن على السر ؟ وقد كان الطريف انه حكم على نفسه بالغدر والخيانة فعلاً وبدا يتحاشى رفاقه الذين وثقوا به فوشى بهم إلى الناظر. وأعتراه خجل شديد وأنطوى على نفسه . وأما نحن ، قراء القصة ! فندري فوراً ان سامي الأصيل المخلص بين رفقائه ، وانهم الخونة الحقيقيون ، هم خونة أنفسهم وخونة النظام . ذلك ان الخيانة ليست هي الاعتراف بالذهاب إلى السينما وانما هي الذهاب إلى السينما أصلاً ، لا لأن ذلك عمل معيب حقاً وانما لانه خيانة نظام تعهد هؤلاء الشبان بألا يخونوه وان يلتزموه حرفياً . 
ان هذا الحادث الصغير يبدو عظيم القيمة في دراستنا لنفسية سامي وشخصيته. وذلك لأنه يشير إلى طبيعة الصلة بين سامي وفكرة النظام في هذه المرحلة ، ويعطينا مقارنة واضحة بين نظرته والنظرة الشائعة . أما رفقاؤه فأن المسألة لا تحرج ضمائرهم قط . انه شيء دارج ان يذهب الطلبة الشيوخ إلى السينما سراً ، وذلك ، لكثرة شيوعه ، قد فقد حتى أسمه القبيح (الخيانة) . وليس في هؤلاء الطلبة من يرى التناقض والزيف في ذلك المسلك . أما سامي ، بطبيعته المتأملة ، وميوله الأخلاقية الأصيلة ، فأنه الوحيد الذي يفضل ان يتقيّد بالنظام فلا يخونه وانما يلتزم به كل الالتزام ولو كلفه ذلك ان يخسر أصدقاءه . ولنلاحظ ان ذلك لا يعني قط بأن سامي أقل ضيقاً من رفاقه بقيود المعهد ، ولا أقل حباً للسينما ، وانما الأمر على العكس ، فهو أكثرهم تمرداً وحيوية . ولكن سامي يحب الحرية أكثر مما يحبها رفقاؤه ، وهي أعز عليه من أن ينالها بالخفية ، ويحمر خجلاً لأنه نالها. وانما الحرية الحقة لديه هي تلك التي تعتز بنفسها وتقف شامخة صريحة مفتوحة للعيون كلها. فاذا كان رفقاء سامي يقنعون بمشاهدة السينما سراً ، ويروقهم ان يعودوا إلى المعهد ملطخي الضمائر ، فأنه هو لا يطيق ذلك ولا يجد فيه أية سعادة. ان طبيعته كما قلنا تفرض عليه ان يحمل مسؤولية الأشياء كاملة فهو أما ان يؤمن بالشيء ومن ثم فهو يطيعه كل الطاعة ويرفض أن يخونه . أو أنه يكف عن الأيمان به واذ ذاك يحب أن يعلن الحاده بصراحة ويتخذه مبدأ . ومنطق سامي في ذلك أنه ما دام قد دخل المشيخة فيجب ان يطيع نظامها ، ففي هذه الطاعة صورة أحترام سامي لإرادته وحريته . وأما اذا كان نظام المشيخة متعسفاً أو جائراً فأن عليه ان يتمرّد عليه تمرداً رسمياً ويرفضه رفضاً صريحاً. ولقد كان سامي يدرك أن رفضه للتفرعات الصغيرة من قانون المشيخة يحتّم عليه أن يواجه مسؤولية أكبر وأخطر وهي رفض المشيخة كلها. ذلك انه انسان يحتقر الحلول الوسط. انه يجب ان يتخذ القرار وينفذه فوراً. يجب ان يحكم على الشيء مرة واحدة ثم يسلك على أساس ذلك الحكم. وما دام لم يستطع بعد ان يحكم على المشيخة فأنه يفضل ان يكون مستقيماً فيها وان يطيع نظامها. وهذا من الناحية الأخلاقية موقف رائع يجعل سامي يبرز ويتميز بين زملائه السطحيين الذين يعيشون لمتعة لحظة عابرة في غفلة من ضمائرهم الضعيفة المتحللة. 
بهذا نصل إلى نهاية ما نحب أن نقوله عن سامي (المطيع) وقد حان لنا الان ان نلتقي بسامي (المتمرد) لنتبين أسباب تمرّده وجذوره . فكيف يمكن أن ينقلب الغلام الذي كان أكثر طاعة وأنقياداً من أي من زملائه إلى الغلام الذي كان أول من عصى ورفض المشيخة ؟
في الواقع ان ذلك مبرر ، والحياة الواقعية ومنطق النفس الانسانية يسندانه تماماً . ان تلك الطبائع التي لا تخون هي دائماً الطبائع التي يصدر عنها التمرد الحق وتقابل العالم بصلابة الايمان واندفاع الارادة. ولا ريب في ان طبيعة سامي هي إحدى هذه الطبائع. فقد رأينا كيف أنه يفضل ان يحتمل العقوبة والحرمان على ان يخون ما تعهد بأن يحتمله وهذه ولا ريب طاعة متطرفة لا يمكن ان يقبلها غير سامي من الطلاب الشيوخ. ذلك انها تسد السبل على نفسها وتضغط عليها كل الضغط. ان الطالب العادي لا يمكن الا ان يستخف برصانة العمامة والجبة حين يرى المطر ينهمر على وجهه وملابسه بما فيه من برودة وأزعاج . وهذا الطالب ، حين يركض وينقذ نفسه من الازعاج ، يجد لضيقه منفذاً فينتهي أستياؤه من العمامة أو يتوزّع على الأقل. وأما ذلك الذي يخسر – مثل سامي – مقعده في الترام المنتظر ، ويتعرّض إلى السخرية من امرأة وقحة ، ويفقد اصدقاءه الصغار في الحي ، فأنه ولا ريب يجمع في نفسه رعوداً وبروقاً تهيئ لعاصفة جارفة. والحقيقة ان الطاعة الحقة أقرب إلى ان توصل إلى التمرّد من نصف الطاعة. والتمرد أقرب دائماً إلى اولئك الذين يطيعون القوانين بإخلاص(15) منه إلى الذين يخرقونها بالخفية كلما أحتاجوا. ان المتمرد هو غالباً انسان قد أطاع القانون حق الطاعة فترة ما بحيث عانى من مساوئه إلى درجة جمعت الثورة في روحه . وسبب ذلك ان الاستقامة على وضع ما تتيح للإنسان ان يدرس ذلك الوضع حق الدراسة وان يملك نظرة مستقلة إليه . وقد كانت استقامة سامي نوعاً من التركيز له بحيث أصبح ضيقه قوة دافعة حركته إلى التمرد حين حان الوقت. وهكذا يبدو ان من الطبيعي ان يكون الغلام المطيع جداً هو الذي يقود حركة العصيان . فلا يكتفي بأن يخلع العمامة هو وحده وانما يدفع رفيق إلى مثل ذلك ويساعد هدى على خلع الحجاب وعلى إنشاء صلة حب لا يقرها ابوها ، مع رفيق. 
وأما رفاق سامي ، الذين تبيح لهم ضمائرهم الهشة ان يخرقوا النظام كلما أستطاعوا ذلك ، فهم يجدون لضيقهم منفذاً بتمردات صغيرة عابرة تجعلهم أقل نقاءً وأكثر أستسلاماً وتخاذلاً . ولذلك نجد الكذب أعظم تشجيع على المذلة والعبودية والقناعة بلا شيء .. ذلك أنه يلوث النفس بنوع من الرشوة الرخيصة فيقعد بها عن أي طموح كبير. ونحن قلما نجد بين الكذابين والمتحللين متمردين أو حاملي الوية دعوات إلى حياة أحسن وقوانين أعدل. وانما الصدق والاستقامة أعلى أنواع العمل الايجابي ، وكل عمل لا بد أن يثمر ويغني حياة الناس. ذلك هو قانون الحياة الذي كان سامي نموذجاً طيباً له. 

ج – المرحلة الثالثة 
لقد سبق لنا أن قلنا أن تطور سامي لا يمكن ان يقسم إلى مراحل تفصل بينها خطوط لأن الخطوات كانت متداخلة . ولذلك سنجد ان المرحلة الثالثة من نموه كانت كامنة في مرحلته الثانية نفسها ، أننا سنضطر إلى ان نعود إلى سلوكه في تلك المرحلة لنعثر فيه على بذور الثورة والتمرّد التي نضجت في هذه المرحلة الجديدة.
لقد سبق لنا ان رأينا سامي يقف أمام المرأة التي سخرت منه من الشرفة فلا يرد عليها ، ورأيناه أيضاً يمسك نفسه عن ان يطارد الصبيان الذين ضايقوه ليفرقهم. وكان التعليل الواضح لذلك ان رصانة العمامة والجبة قد باتت أعز عليه حتى من دوافع الحياة في كيانه. غير أننا نريد الان أن نذهب أعمق في تحليل مسلكه هذا. فلعل الجذور تذهب أبعد من الرصانة نفسها ؟ ولعل هذه الرصانة كانت مجرد تعليل خارجي ، خاصة وان سامي بارع في التماس التعليلات غير الحقيقية لدوافعه النفسية ..
والواقع ان سامي ، طيلة مرحلته الثانية تلك يلوح لنا وكأنه ذاهل محير الذهن. أننا نتذكره واقفاً في شرود وصمت بين أمه وأبيه وهما يتجادلان حوله : أمه تصر على ان وجهه مبلل بالدموع ، وأبوه يصر على ان البلل من المطر ، بينما يقف هو ساكتاً لا ينبس . وهذه هي عين الحيرة التي تلفه وهو في الطريق متعرضاً لهتاف الصبيان أو لتعليق المرأة اللاذع . فماذا وراء هذه الحيرة ؟ وهل الرصانة هي الدافع الوحيد للسكوت ؟ أم ان سامي سكت لانه أحس في أعماقه ادراكاً فظيعاً يتفتح ويطلعه على حقيقة مثيرة لا يطيقها ؟ وهل من المستبعد أن سامي قد أحس ، في عمق كيانه ، أنه ، بهذه العمامة وتلك الرصانة التي لا تلائم سنه ، يستحق فعلاً أن يطارده الصبيان وتسخر منه المرأة ؟ 
ذلك هو السؤال ، وهو سؤال وجيه ، وفي وسعنا ان نرد عليه لا ، ليس ذلك مستبعداً ، ونحن نرجح أنه فعلاً شعور سامي ، فلقد سكت ولم يرد على الذين سخروا منه ، لانه في الواقع يشارك امرأة الشرفة رأيها ، ويحب في أعماقه ان يهتف مع الصبيان ضد عمامته وجبته . بلى ، ذلك هو الذي وقع . فبدلاً من ان ينتصر سامي لنفسه ، شعر بأن الحق كل الحق مع الذين يعتدون عليه. أننا لا نذهب إلى ان ذلك الشعور كان واعياً أو ان سامي شخصه تمام التشخيص ، وانما نريد ان نشير فقط إلى انه وجد في سخرية الآخرين منه شبه جرس انذار له بأنه يخالف طريقه ويسلك سبيلاً معوجة لا نفع فيها ، ان التنبيه اللاذع إلى خطئه قد أثار في نفسه صدى عميقاً وهزه. ونحن ندري يقيناً أنه كان يبكي تحت المطر من فرط أحساسه بأنه لا يطيق رصانة العمامة والجبة ، وندري أيضاً أنه كان يشعر أن زيه الديني قد وضع ستاراً بينه وبين أصدقائه وحيّه المحبوب ، وحتى بينه وبين أمه وأخوته . فهل تستغرب ان يشعر في أعماقه بأن الحق مع الذين يعتدون عليه لا معه هو ولا مع عمامته وجبته ؟
ولعل سامي كان يدرك ، بشيء من الوضوح ، ان الإهانة لم تكن موجهة إليه هو بمقدار ما هي موجهة إلى ملابسه . فكأن العمامة قد شطرته إلى شطرين : سامي الإنسان ، وسامي الشيخ. وقد يكون ذلك هو السبب في ان تصرفه أصبح الياً فراح يسمح لنفسه ان يسخر منه ويتناقش حوله وهو صامت مغرق في السكوت لا ينبس ولا يحتج. وسبب ذلك انه لم يعد في نظر نفسه سامي وانما عاد إنساناً يرتدي عمامة وجبة. وسكوته هذا يشبه الاحتجاج الصارخ على الوضع كله ، والحق انه يذكرنا بسلوك شخصية جانبية وردت في مسرحية انكليزية معاصرة(16) حيث نرى الغلام يتضارب مع أخيه فيسقط هذا في الوحل تحت المطر. وتتطلع الأم من النافذة فتراه ما يزال راقداً على الأرض والسماء تمطر عليه فترسل من ينتشله فوراً وحين يحضر أمامها تسأله لماذا لم ينهض حين سقط ، فيجيبها: (لأنني لم أسقط نفسي).
وهذا المسلك ، حين نتأمله ، يمثل أعنف صرخة أحتجاج ممكنه وفي وجه الأخ المعتدي. لقد أراد المضروب أن يجسّم عدوان الضارب فبقي راقداً تحت المطر وكأنه بذلك يسجّل العدوان ليراه الآخرون بوضوح. أفليس سلوك سامي شبيهاً بهذا ؟ ألم يبقَ تحت وابل السخرية وهتافات الصبيان دون أحتجاج ؟ أو ليس ذلك أحتجاجاً فظيعاً منه على الوضع كله فكأنه كان يصرخ بأبيه: (أنظر إلى نتائج فكرتك يا أبي . تمثلها تماماً . ها أنا اذا ، ولدك الحبيب البار ، أتحمل الإهانة من أجل ان أحقق لك رغبتك فأكون شيخاً مثلك.) وهكذا كان التقبل المفرط الذي قابل به سامي قانون زيه الديني صرخة أحتجاج ممكنة على الذين قادوه إلى ذلك الطريق ، فكأنه كان – في أعماقه الصامتة ، يحملهم عبء كل فشل يصيبه منذ اليوم.
ومهما يكن ذلك الأحتجاج ضعيفاً وغير واع فأن سامي سرعان ما جمع في نفسه من الغيظ والضيق والادراك ما جعله ينفجر. وقد جاءت أول علامات الثورة حين ألتقى بسميا ، جارة المريجات ، وأحبها. كان هذا الحب هو اليد التي كشفت عن بصيرة سامي الستار وجعلته يدرك ان له أبعاداً تضيق عنها المشيخة ، وان جوهره الحق يتعارض مع القانون الصارم الذي يفرضه الزي الديني ذلك ان الحب كان يتطلب من سامي إنسانيته كلها ، بينما كانت المشيخة تعمل جهدها على ان تشذب هذه الإنسانية وتكبتها وتقص اجنحتها. واذا كان سامي قد أحتمل ان يمتنع عن الركض والانطلاق مع سنه اليافعة لمجرد ان العمامة تقتضي ذلك ، فأنه يجد التضحية غير محتملة حين يتعلّق الأمر بسميا وحبه لها. وسرعان ما سيضطر إلى التضحية بالعمامة نفسها وبكل ما يرتبط بها. وهكذا كان الحب أول عصيان أرتكبه سامي وسرعان ما قاده إلى أن يتحدّى أباه ويجادله وينزله عن مستواه في أعماق نفسه. 
ولا بد لنا أن نلاحظ ان سامي في هذه الفترة قد أصبح أقل ميلاً إلى التفكير والتحليل مما كان. لقد أصبح يسلك ولا يتأمل سلوكه. وقد كف عن سؤاله الملح : (هل يليق هذا بشيخ رصين ؟) ولعله كان يدري ان ذلك لا يليق ، خاصة وان صوت أبيه وأخيه بقي يرتفع مذكراً بالعالم التقليدي الذي ترمز إليه العمامة ، ولكنه لم يصغ إلى ذلك الصوت قط . لقد أصبح يعيش التناقض ولا يفكر فيه . وانما جاء التفكير فيما بعد حين رحلت سميا وبدأ يواجه نفسه ثانية ، واذ ذاك بدأ يعي ما وقع له ويشخص مدى أخلاقية تطوره .. وكانت النتيجة هي المرحلة الأخيرة من نموه مما سندرسه فيما يلي .. [/b]

[b style="color: rgb(0, 0, 0); font-family: Arial; font-weight: bold; background-color: rgb(245, 245, 255);"]

د – المرحلة الرابعة
[/b]

[b style="color: rgb(0, 0, 0); font-family: Arial; font-size: 16px; font-weight: bold; background-color: rgb(245, 245, 255);"]أخيراً... يأتي الفجر ، ويصحو سامي على الثورة والتمرد. ان صراعه في المراحل الثلاث الماضية كان يميل دائماً نحو كفة الاستسلام فقد بقي يلبس العمامة ويترك أباه يتحكم في شؤونه ولو ظاهرياً. واذا كان تبرير ذلك الاستسلام ان سامي انما كان يطيع مبادئه لا أباه ، فأن هذا التبرير نفسه لم يكف الان لردع سامي. ذلك انه قد بدأ يتمزّق هو نفسه ويسقط عنه برود المثالية التي لا تلائمه وينطلق ليعيش حياته حراً من القيود والتصنّع والرصانة. ان تطور سامي في هذه المرحلة قد كان تطوراً أخلاقياً ممضاً ، وقد كان له مغزى عميق من الوجهة الفلسفية . وتتلخص قصته منذ بدايتها في أنه أسرف في المثالية والتخلف إلى درجة جعلته يسيء إلى نفسه. كان حقاً غلاماً طيباً ، عظيم الاخلاص لمثله الروحية ، شديد الحرص على أهدافه وأخلاقه . وقد ذهب بالاخلاص إلى أبعد الحدود حتى أنه كان يفضل ان يرى دموعه تتساقط فيفضل ان يتجاهلها ليقر أباه على انها قطرات مطر. 
ولكن اخلاص سامي لم يجيء بالنتائج المرضية التي توقعها منه. وانما كان ينبغي له ان يكون مخلصاً أولاً لكي يستطيع ان يخلص للآخرين. كان هذا موهوباً وذا شخصية مستقلة وميول أصيلة. وهو لا يستطيع أن يكون سعيداً الا اذا أطاع هذه الميول وأطلق لمواهبه العنان في مختلف الاتجاهات مندفعاً بملء حياته ونفسه وذهنه. ان في قلبه ظمأ إلى المعرفة والحياة ، وفي كيانه نشاط غزير يجب ان ينفق والا أصبح قوة هدم معرقلة تضر بدلاً من ان تنفع . أنه لا يستطيع ان ينجح ولا ان يسعد ما لم يركض بالترام ويضحك بملء صباه ، وما لم يذهب إلى السينما حين يشاء وبلا ندم ولا غصص ، وما لم يقضي أوقاته في غابة المريجات يراقب خروج سميا لكي تبادل معها كلمة عاجلة مشتاقة. وكل ذلك مما ترفضه العمامة والجبة. وسامي قد قرر ان يضع العمامة والجبة فوق كل شيء. فكانت النتيجة أنه كبت طبيعته الحقة وبات يعاني المشاكل. 
ولا بد لنا أن نلاحظ ان مثالية سامي لم تسبب الأزعاج له وحده وحسب وانما كان كل من حوله يعاني منها. فقد أصبحت أمه متحفظة تجاهه ، وأبتعد أخوته عنه وأصبحوا يتهيبونه(17) وأنكمش صديق الطريق الذي كان يودّه وأصبح يجمع الصبيان ليسخروا منه حين يمر(18) حتى سميا ... فما زالت عباراتها ترن في أسماعنا بكل ما فيها من عفوية وبساطة : (لا تذهب معي .. أنت شيخ)(19) وأبوه ؟ هل حقاً أنه كان راضياً كل الرضى عنه ؟ قطعاً ، لا . فسرعان ما بدأ سامي يشعر بالنفور منه ، وربما لمجرد أنه كان يطيعه إلى درجة غير طبيعية . وبادله أبوه هذا النفور تدريجياً حتى قام بينهما الصراع.
أننا نتساءل هنا: أما كان الأفضل لسامي الا يطيع أباه إلى هذا الحد ؟ أما كان أحسن لو أنه أحتفظ بحبه له ولو بأن يخالفه أحياناً ويفرض عليه ارادته وأستقلاله ؟ ذلك أن من المشاهد في الحياة الإنسانية ان المثاليين الذين يجورون بصرامة مبادئهم حتى على عواطفهم ورغباتهم العميقة ، ينتهون إلى ان يكونوا أقل استقامة من اولئك النس الطبيعيين الذين يعيشون بصدق ويطيعون ميولهم دون ان يلقوا بالهم إلى قواعد الأخلاق. وذلك ينطبق على سامي الذي تحوّلت مثاليته إلى نوع من الكبت وأفقدته انسانيته وأعطته بعض الحقد على أبيه. ولعل الطاعة الا يكون اسوأ من هذا بكثير. والحقيقة ان فوزي ، بكل ما فيه من تطفل وكذب ووشاية ، قد كان أصدق مع نفسه من سامي النظيف الحساس الذي حرص على أمانته. وما ذلك الا لأن فوزي كان إنساناً عادياً يطيع قانون عواطفه دونما فلسفة ، بينما كان سامي يريد أن يكون فوق البشر في حرصه على النقاء والأمانة والطاعة واداء الواجب . 
ومن هذا نرى ان مثالية سامي قد فشلت فشلاً ذريعاً ، وأنه ، بدلاً من أن يطيع أباه، كان يخونه خيانة أعظم حين ينحني له أكثر مما تطيق انسانيته . والسر في ذلك ان سامي الذي يريد ان يخلص للواجب وللاخلاق كل الاخلاص ، لا ينجح في ذلك الا بأن يخون نفسه وعواطفه أولاً. ولقد خرج بطلنا من سيرته هذه مدركاً لهذه الحقيقة خير ادراك. لقد عرف أنه ، اذا كان يريد حقاً أن يخلص لأبيه ، فلا بد له أولاً ان يخلص لطبيعته وميوله وعواطفه. ولذلك نراه يمضي في اصرار وعزم ويخلع الزي الديني ويقف في الشرفة ينتظر أباه متحدياً . كانت هذه هي النقطة الفاصلة بين عهد المثالية المتصنّعة الجوفاء ، وعهد الاصالة والعفوية . وأنتقل سامي من التلميذ السلبي الذي يتهيب أباه ، إلى الرجل العنيد المندفع الذي يشجع أخته على خلع الحجاب برغم تقاليد الأسرة المحافظة ومعرضة الأب. 
الآن وقد أنتهينا من أستعراض المراحل التي مر بها بطل الرواية في تطوّره نحب ان نضيف لمسة أو لمستين إلى تحليلنا لشخصيته قبل ان نقول كلمة عن الشخصيات الأخرى. وأول لفتة في طبع سامي نحب أن نلفت إليها النظر هي أنه متدين أصيل بطبعه وذلك مرتبط بعاطفته الغزيرة المتدفقة. وأما ثورته على المعهد الديني فينبغي الا تفهم على انها ثورة على الدين أو على المتدينين وانما كانت ثورة على التقاليد الخانقة التي الصقها المتزمتون بالدين. وفي ثنايا الأفكار التي كان سامي يغرق فيها نجده يندهش من الصلة العشرية التي يريد هؤلاء المتزمتون أن يقيموها بين التدّين والرصانة. فلماذا ينبغي ان يسلك الغلام مسلك شيخ عجوز لمجرّد أنه يدرس في معهد ديني ؟
ومن صفات سامي اللطيفة أنه يقظ جداً بحيث يعيش منتبهاً فلا يفوته شيء مما حوله. ويبلغ هذا التنبّه فيه درجة بعيدة لمجرد أنه منفصل عمّا حوله ، يعيش في داخل نفسه ويرقب منها العالم حوله دون ان يندمج فيه. وهذا الأنفصال صفة ملازمة له تلمسها في أسلوبه في التعليق لنفسه عمّا حوله فكأنه يرقب الناس من بعيد دون ان يخالطهم مخالطة حقيقية . وقد أتضحت هذه الصفة فيه خلال حياته في المعهد فكان يجلس في الصف ولا يندمج فيه . وبدلاً من أن يتلو القرآن ويحفظه مع الآخرين كما كلّفهم المدرّس يروح يصغي إلى أصواتهم وكأنه بعيد عنهم ويلاحظ ان ذلك الصوت أشبه ما يكون بـ(هدير النحل)(20). ثم أنه يلاحظ حركاتهم ويشخص فيها آلية لا تعجبه فيصفعها في أعماق نفسه الصامتة هكذا (كانت تأخذ أجسامهم هزة .. فيتمايل بعضهم.) والعبارة شديدة التعبير كأكثر عبارات سهيل.[/b]

[b style="color: rgb(0, 0, 0); font-size: 16px; font-weight: bold; background-color: rgb(245, 245, 255);"]الهوامش ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ ـــ[/b]
[b style="color: rgb(0, 0, 0); font-family: Arial; font-size: 16px; font-weight: bold; background-color: rgb(245, 245, 255);"](12) ص 52 (هامش من وضع كاتبة الدراسة). 
(13) طبعاً خطأ طباعي والكلمة الصائبة هي (الأحتقار).
(14) ص 52 (هامش من وضع كاتبة الدراسة). 
(15) خذ مثلاً في التأريخ القس مارتن لوثر (المعد). 
(16) مسرحية Rhe Lady’s Not Burnning لكريستوفرا فراي ، شخصية (نيكولاس).
(17) ص 38 (هامش من وضع كاتبة الدراسة).
(18) ص 39 (هامش من وضع كاتبة الدراسة).
(19) ص 70 (هامش من وضع كاتبة الدراسة).
(20) ص 22 (هامش من وضع كاتبة الدراسة).[/b]


[b style="color: rgb(0, 0, 0); font-family: Arial; font-size: 16px; font-weight: bold; background-color: rgb(245, 245, 255);"]أنتظروا لطفاً 
الجزء الأخير
من هذه الدراسة
في القريب العاجل 
بإذن الله تعالى[/b]


_________________
<P>
<BR>
<BR></P>

وليد محمد الشبيبي

avatar
مؤسس المنتدى ومديره المسؤول
ان لهذه الهزة التي تبادر أجسامهم وتأخذها معنى يجسّد في هؤلاء الطلبة نوعاً من الغباء المستسلم الذي يضيق به سامي مشاهدنا اليقظ ويسره أنه ليس داخلاً فيه وانما يكتفي بملاحظاته من الخارج. والطريف ، ان ذلك هو السبب في ان سامي أحب (رفيق) منذ البداية ، فقد أعجب فيه ، فيما يلوح ، أنه رآه (نائماً) في الصف ، أو – بمعنى آخر – متمرداً ، فبادله الابتسامة . ومنذ هذه النقطة نستطيع ان نميّز الصديقين المتمردين اللذين خلعا العمامة فيما بعد وأنطلقا في طريق الحرية والحياة. 

[b style="color: rgb(0, 0, 0); font-family: Arial; font-size: 16px; font-weight: bold; background-color: rgb(245, 245, 255);"]– الشخصيات الأخرى –[/b]
[b style="color: rgb(0, 0, 0); font-family: Arial; font-size: 16px; background-color: rgb(245, 245, 255);"]لا ريب في ان سهيل قد أعتنى بشخصية سامي أكثر مما أعتنى بأي شخص آخر في روايته ، فكان هو الذي تركز حوله العمل القصصي كله. وأما الآخرون فقد شخصهم المؤلف بلمسات سريعة عابرة خلال نظرة سامي اليهم. ولذلك لا نحتاج إلى ان نخصهم بفصول خاصة في هذه الدراسة وانما سنكتفي بأستعراضهم استعراضاً عاجلاً .[/b]
[b style="color: rgb(0, 0, 0); font-family: Arial; font-size: 16px; background-color: rgb(245, 245, 255);"]أما (الأب) فقد أعطاه المؤلف ملامح تقليدية حاول ان يمثل بها جيلاً معيناً من الناس بمفاهيمهم الضيقة وتزمتهم وشكلياتهم. [/b]
[b style="color: rgb(0, 0, 0); font-family: Arial; font-size: 16px; background-color: rgb(245, 245, 255);"]ونحن نشعر انه قد بالغ في هذا التمثيل حتى أستحال الأب إلى (رمز) أو (نموذج) ولم يعد إنساناً يعيش . ان الملامح والصفات التي أعطاها سهيل للأب هي الملامح والصفات التي يقدّسها الجيل الذي يمثله أبو سامي . فهذا الأب يعتبر أولاده (ملكاً) له ، عليهم أن يعيشوا لمجرد ارضائه ولو كلفهم ذلك ان يخونوا ميولهم وعواطفهم وفطرتهم . كان دائماً ينظر إلى سامي بأعتباره (أبنه) لا بأعتباره فرداً مستقلاً . واخلاقية سامي ، من وجهة نظر أبيه ، تتناسب طردياً مع رضوخه لمشيئة هذا الأب. فاذا أخطأ الولد في أمر ما صاح به أبوه : (بئس الأبن أنت)(21) وهو حين يلومه على انحراف في سلوكه لا يكون ذلك على الأساس الخلقي الدارج وانما على أساس سامي (شيخ أبن شيخ)(22) . وأما عندما يحسن سامي ويريد أبوه أن يكافئه فهو يقول له: (أهلاً بالأبن البار)(23). ومن ذلك كله يبدو أن الأب لا يعتبر لسامي أعتباراً ولا مزية أبعد من أنه أبنه. ولذلك نستطيع أن نفهم سبب الجفاء والبرودة التي أصبح الغلام يحس بها نحو أبيه. أن هذه اللفتة في الأب واقعية جداً نحن نكاد نجدها في أغلب آباء هذا الجيل. [/b]
[b style="color: rgb(0, 0, 0); font-family: Arial; font-size: 16px; background-color: rgb(245, 245, 255);"]والأب مؤمن بالقدر ، وهو يوجّه هذه الفكرة توجيهاً نفعياً بحيث يؤثر بها على أسرته فيقول عن سامي : (لقد قدر الله عليه وكتب على جبينه أن يكون شيخاً مثل أبيه.)(24) وبهذا نراه يوجه القدر نفسه. وهو يوزّع رضى الله وسخطه بحسب مشيئته الشخصية أيضاً (25)، فما يسرّه يسر الله وما يسخطه يسخط الله . ولقد كان سامي ملاحظاً صامتاً ينتبه لذلك دون ان يعلّق عليه ولا ريب في ان أبا سامي لم يكن خير نموذج للأب المتدّين الذي يغرس في أولاده روح الدين. [/b]
[b style="color: rgb(0, 0, 0); font-family: Arial; font-size: 16px; background-color: rgb(245, 245, 255);"]ومن لمسات التشخيص التي أعطاها المؤلف للأب المتدين أنه كان يخطيء الحكم على أفراد أسرته ويظهر جهلاً بحقيقة دوافعهم وسلوكهم ، فيظن مثلاً أن فوزي هو الولد الصالح في الأسرة بينما يتهم سامي ويعده مضيعة للتربية والجهد. ونحن نعلم ان فوزي كان نماماً وغيوراً يحسد سامي ، ويسوق الحياة عابثة تشوبها علاقات مريبة بطبقة واطئة من النساء. [/b]
[b style="color: rgb(0, 0, 0); font-family: Arial; font-size: 16px; background-color: rgb(245, 245, 255);"]وليس أبو سامي تقليدياً في شخصيته وحسب وانما ينقصه الحب الحقيقي لأسرته. أننا لا نراه يختلج نحوها بأي شعور حقيقي ، حتى أنه حين رأى سامي وقد شج رأسه ورقد متألماً على السرير لم تبدر منه ولو نبضة حنان وانما راح (يحوقل) ويلقي عليه موعظة حول ما يجب ان تكون عليه أخلاق شيخ أبن شيخ مثل سامي. ونحن لا نرى منه مشاركة لأولاده قط ، حتى أنه لم يستطيع ان يحس الألم الذي كان سامي يعانيه بعد فراقه سميا ، فوقف منه موقف الواعظ . فبدلاً من أن يحاول التخفيف عنه بوسائل ايجابية من الحب والرعاية ، راح يبتعد عنه وينفر منه .. وقد يكون هذا الجمود من سهيل ، لأنه جعل الأب نموذجاً يرمز إلى جيل معين ، فلم يمنحه أية أبعاد إنسانية وحرمه حتى من الحنان الذي يتّصف به كل الآباء. غير ان الإنصاف يقتضي أن نعترف بأن هذه الصفة تظهر في كثير من آباء ذلك الجيل ، سواء أمازجها حنان يلطّفها أم لا .[/b]
[b style="color: rgb(0, 0, 0); font-family: Arial; font-size: 16px; background-color: rgb(245, 245, 255);"]ولعل أفظع مثال لقلة العاطفة لدى هذا الأب غير الحساس أنه رأى ولده سامي يبكي فغالط نفسه بأن تلك كانت قطرات مطر لا دموعاً. ولو كان أباً حنوناً لأرقه مجرّد الشك وحرمه الراحة حتى يتأكد. وكان أبسط ما عليه أن يسأل سامي ويلح عليه بالسؤال ، أكان يبكي أم ان كان بقية من دموع المطر على وجنتيه ؟[/b]
[b style="color: rgb(0, 0, 0); font-family: Arial; font-size: 16px; background-color: rgb(245, 245, 255);"]ان هذه النقطة خير مناسبة ننتقل عندها من الأب إلى الأم. ونحن نلاحظ انها حدست فوراً بأن ما على وجه ولدها كان دموعاً. وفي وسعنا نحن القراء ان نعدها كذلك أيضاً لأن قلب الأم يحسن الحدس ، خاصة وأننا نملك من تفاصيل شعور سامي نفسه ما يجعلنا نقطع بأن تلك كانت دموعاً وان المؤلف يقصد ان نعدها كذلك. أن الأم في رواية (الخندق الغميق) تتمتع بالبصيرة التي يعطيها أياها حبها لأولادها . فالأخلاص يملي عليها المسلك الصائب في الحالات كلها . وذلك هو عين السبب الذي جعل الأب مخطئاً وفاشلاً حتى في رؤية ما هو صارخ الوضوح كسلوك فوزي. [/b]
[b style="color: rgb(0, 0, 0); font-family: Arial; font-size: 16px; background-color: rgb(245, 245, 255);"]ولكن هذه الأم تحل مشاكل الأسرة بالكذب، فتقضي وقتها في تدبير وسائل لإخفاء الحقائق عن الأب . وهي لا تكتفي بأن تكذب هي نفسها وانما تشجّع أولادها على الكذب كما فعلت حين بذلت الجهد في اقناع الأب بأن يكتفي من سامي بوعد ولا يضطره إلى قسم. ان في ذلك تشجيعاً ظاهراً منها لسامي ان يستهين بوعده ويعد الوعود غير نافذة ما لم تؤكد بأقسام مغلظة. والسر في كذب الأم انها تخاف حدوث مشاهد وأصطدامات في الأسرة ، الا انها ، ككل أم تحاول تحاشي المشاكل بالكذب ، لا تستطيع أن تحمي الأسرة من مجابهة هذه المشاكل أخيراً. فلا بد لكل كذبة ان تنكشف أخيراً مهما حرصت.[/b]
[b style="color: rgb(0, 0, 0); font-family: Arial; font-size: 16px; background-color: rgb(245, 245, 255);"]ولم يكن غريباً ان تكون هذه الأم أكثر تقبّلاً للتطور من الأب. ذلك انها بما تملك من حب مفرط لأولادها ، تحاول ان تسعدهم بتفهّم آرائهم وموافقتهم عليها إلى أي حد ممكن. ان الحب يجعل هذه الأم مرنة ومطاوعة فتتطور . لتماشي أولادها حتى قالت لأبنتها هدى: (أني أفهم موقفك يا هدى. أن جيلكن غير جيلنا.)(26) [/b]
[b style="color: rgb(0, 0, 0); font-family: Arial; font-size: 16px; background-color: rgb(245, 245, 255);"]أن التستّر والكذب وعدم مجابهة الواقع مما أتصفت به الأم في رواية (الخندق الغميق) يعلل تماماً للنتائج الوخيمة التي أنتهت إليها الأسرة . ولعل أفظع هذه النتائج انها كانت أسرة لا يتبادل أفرادها الحب تمام التبادل. ولعلها أسرة مفككة. كان فوزي ، الولد الأكبر ، يقوم دائماً بدور النمّام الواشي ، ويساعده الصغير وسيم. وكان الأب أنانياً متسلطاً لا يثق بزوجته حتى أنه لم يكن يسلمها أي مبلغ من المال مهما صغر(27) وقد شهدنا كيف كان يسافر تلك السفرات المريبة إلى حلب، وإلى أي مدى كان يعد نفسه مسؤولاً عن أسرته وأولاده. ولا يقوم صفاء حقيقي في الأسرة الا بين سامي وهدى اللذين منحهما سامي الرقة والحنان والتعاطف الجميل. وتنتهي الأمور بموت الأب الذي لم يملك من المحبة والعطف ما يخفف عليه التطور الصاعق الذي سارت إليه الأمور في أسرته.[/b]
[b style="color: rgb(0, 0, 0); font-family: Arial; font-size: 16px; background-color: rgb(245, 245, 255);"]وأما فوزي فأن شخصيته ثانوية. وكان المؤلف يبرزه في اللحظة المناسبة لكي يقوم بدور (العذول) الذي يعكّر على الآخرين صفوهم وخاصة على سامي . أنه صورة للأخ الفاشل في الحياة ، الذي يغار من أخيه الأصغر ويحاول ان يعكّر عليه. ولكن فوزي يملك جوهراً طيباً ، فهو ما يكاد يرى نتائج تدخله حتى يرق ويسرع إلى سامي يواسيه ويحنو عليه . والحقيقة ان فوزي يمتلك كل صفات عذول غير سعيد يحاول ان يجد لنفسه منفذاً من الفشل والألم بأن يرغم الآخرين على أن ينتهوا مثله إلى بعض الفشل والألم. واذا كان سامي يملك الذكاء والشخصية المستقلة والإرادة الصلبة فان فوزي قد أخذ ضعف أبيه ، ولعله الولد الأكبر الذي دلل في طفولته وفشل في شبابه . وأنه لواضح ان حياة الليل التي يعيشها فوزي ليست الا مهرباً من فشله ومن قلة المحبة والأحترام التي يلقاها بين أهله . وخلاصة القول أن كل ظروف فوزي تؤهله لأن يكون عذولاً . ولو كانت أمه تفهم النفسيات . لرأت أن تمنحه بعض حبها وأعجابها فلا يستأثر سامي بهما جميعاً . [/b]
[b style="color: rgb(0, 0, 0); font-family: Arial; font-size: 16px; background-color: rgb(245, 245, 255);"]وأما سميا فهي شخصية عذبة فيها براءة وعفوية وجرأة ، ان لها طبيعة بريئة بسيطة لا تصنّع فيها . ولذلك تألقت بالنسبة إلى هدى التي تحب ، مثل أخيها سامي ، ان تسير وفق قواعد الأخلاق المثالية ، ولو إلى حد معيّن . ولكن سميا لا تفرض شخصيتها على ظروفها . وانما تبدو لنا صورة للفتاة العربية التي تبدأ شبابها أصيلة فيها حيوية البراءة وجرأة العفوية ، ثم تنتهي بالرضوخ لأهلها وأقتباس مفاهيمهم المصطنعة ومنها القناعة بأي شيء يعرض عليها. ذلك ان سميا اللطيفة سرعان ما تتزوج رجلاً لا يلائم ميولها ، تاركة سامي الذي تحبّه. وتجد نفسها ، بعد مرور سنين ، مندفعة مع عواطفها القديمة إلى لقاء سامي الذي ما زالت ترتاح إلى رؤيته. وقد كان واضحاً أن سميا أحبت أن تنشئ صلة بسامي وربما مستعدة لخيانة زوجها ، وإن لم تصرّح بذلك . وانما أوقفها ان سامي رفض ذلك منها وغادر المطعم ساخطاً.[/b]
[b style="color: rgb(0, 0, 0); font-family: Arial; font-size: 16px; background-color: rgb(245, 245, 255);"]وفي شخصية هدى بعض الثغرات . أن المؤلف لم يمنحها الأبعاد اللازمة التي تكفي لجعلها بطلة القسم الثاني من الرواية.[/b]
[b style="color: rgb(0, 0, 0); font-family: Arial; font-size: 16px; background-color: rgb(245, 245, 255);"]غير ان قصتها مع رفيق فيها حرارة العاطفة وبساطة الحياة ، وانما كان ينقص هدى شيء من عمق الفكر الذي يعوّض للقارئ عن تنحّي سامي عن دور البطولة.[/b]
[b style="color: rgb(0, 0, 0); font-family: Arial; font-size: 16px; background-color: rgb(245, 245, 255);"]ولا بد لنا من كلمة عن شخصية (سامية) التي وردت في الرواية ، وهي أخت سامي وهدى وفوزي(28). ان المؤلف لا يتحدث عن سامية هذه الا في النادر ، ونحن لا نرى لها أي أثر في الأحداث. وذلك يجعلها شخصاً (تأريخياً) ليس له واقع فني ..[/b]
[b style="color: rgb(0, 0, 0); font-family: Arial; font-size: 16px; background-color: rgb(245, 245, 255);"]ولعل سهيل يشير بها إلى أخت فعلية له يتذكّر وجودها في بعض أحداث هذه الرواية. وكان الأنسب أن يحذف أسمها ويفترض ان في الأسرة أربعة أخوة وحسب دونما تقيّد بالواقع الفعلي لحياته ، خاصة وان أحداث الرواية كاملة من دون سامية بحيث لا تحتاج إلى وجودها.[/b]

[b style="color: rgb(0, 0, 0); font-family: Arial; font-size: 16px; background-color: rgb(245, 245, 255);"]بيروت نازك الملائكة[/b]
[b style="color: rgb(0, 0, 0); font-family: Arial; font-size: 16px; font-weight: bold; background-color: rgb(245, 245, 255);"]· مجلة (الآداب) بيروت
ع 3 ، آذار 1960 م .[/b]


[b style="color: rgb(0, 0, 0); font-size: 16px; font-weight: bold; background-color: rgb(245, 245, 255);"]الهوامش ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ ـــ[/b]
[b style="color: rgb(0, 0, 0); font-size: 16px; font-weight: bold; background-color: rgb(245, 245, 255);"](21) ص 55 (هامش من وضع كاتبة الدراسة).[/b]
[b style="color: rgb(0, 0, 0); font-size: 16px; font-weight: bold; background-color: rgb(245, 245, 255);"](22) ص 19 (هامش من وضع كاتبة الدراسة).[/b]
[b style="color: rgb(0, 0, 0); font-size: 16px; font-weight: bold; background-color: rgb(245, 245, 255);"](23) ص 32 (هامش من وضع كاتبة الدراسة).[/b]
[b style="color: rgb(0, 0, 0); font-size: 16px; font-weight: bold; background-color: rgb(245, 245, 255);"](24) ص 20 (هامش من وضع كاتبة الدراسة).[/b]
[b style="color: rgb(0, 0, 0); font-size: 16px; font-weight: bold; background-color: rgb(245, 245, 255);"](25) اليس (رضى الله من رضى الوالدين) وأحاديث أخرى يا شاعرتنا الكبيرة (رحمك الله) ؟ (المعد) [/b]
[b style="color: rgb(0, 0, 0); font-size: 16px; font-weight: bold; background-color: rgb(245, 245, 255);"](26) ص 176 (هامش من وضع كاتبة الدراسة).[/b]
[b style="color: rgb(0, 0, 0); font-size: 16px; font-weight: bold; background-color: rgb(245, 245, 255);"](27) ص 15 (هامش من وضع كاتبة الدراسة).[/b]
[b style="color: rgb(0, 0, 0); font-size: 16px; font-weight: bold; background-color: rgb(245, 245, 255);"](28) ووسيم ، أصغر الأشقاء (المعد).[/b]


[b style="color: rgb(0, 0, 0); font-family: Arial; font-size: 16px; font-weight: bold; background-color: rgb(245, 245, 255);"]أنتهت طباعة كامل الدراسة أعلاه
صبيحة يوم الأربعاء الموافق 4 يونيو/ حزيران 2008
عذراً لكل هفوة أو خطأ وقعت فيه
فالكمال لله وحده

احترامي واعتزازي بالجميع
أخوكم وليد محمد الشبيبي [/b]


_________________
<P>
<BR>
<BR></P>

استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي الرجوع الى أعلى الصفحة  رسالة [صفحة 1 من اصل 1]

صلاحيات هذا المنتدى:
لاتستطيع الرد على المواضيع في هذا المنتدى